سر العبودية ومقام المراقبة في خلوة الصيام
«كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به»
سر العبودية ومقام المراقبة في خلوة الصيام
سياق الشرح
استشهد الشيخ بهذا الحديث القدسي الجليل في سياق تبيان أن الصيام ليس مجرد جوع وعطش، بل هو مدرسة لبعث الحياة في الضمير، وتحقيق أعلى مقامات المراقبة التي تحرر العبد من رق الأشياء لتجعله خالصاً لله.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مؤسساً لمعنى جليل في فقه الباطن: اعلم يا ولدي أن رمضان ليس محض شهرٍ لجوع الأبدان، إنما هو في حقيقته شهرٌ لرجوع الأرواح إلى ديانها. فإذا سألتني كيف نرجع لربنا؟ أقول لك إن الصيام في أصله "حرية من المباح"، فواعجباً لمن أُعطى قوة الإمساك عن الحلال الطيب استجابة لأمر الله، كيف لا يقوى على أن يتحرر من أسر الحرام؟ إن الصيام يا بني تعويد وتدريب قاسٍ ومستمر للنفس على مقام المراقبة، وهو السر الذي يبعث الحياة في الضمير الإنساني الذي مات في زحام الغفلات. وتأمل يا بني في هذا التطبيق العملي لروح الحديث؛ حين تقف النفس الأمارة بالسوء أمام فتنة الغش في الموازين، وتهمس لصاحبها في خفاء: "اغشس وطفف الكيل، هل يراك من أحد؟"، هاهنا ينتفض الضمير المؤمن الحي من مرقده ليصدح بيقين: "معاذ الله، إننا صائمون". وهذا هو التفسير الذوقي الأجلى لقوله جل جلاله في هذا الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي»، فالصيام عبادة جوفية، سر بين العبد وربه، يتسامى عن شائبة الرياء وحب الظهور التي قد تخالط بقية الأعمال؛ فلا يعلم حقيقة صومك إلا من صمت له. وقد أشار أئمة التزكية، وفي طليعتهم الإمام أبو حامد الغزالي (المتوفى سنة 505 هـ، حجة الإسلام ومجدد علوم الدين)، إلى أن هذه الإضافة في قوله «فإنه لي» هي إضافة تشريف وتنزيه عن حظوظ النفس. وما دامت العبادة قد تجردت للحق، فكيف يكون الجزاء؟ هنا ننتقل بانسيابية إلى قوله تعالى: «وأنا أجزي به». يا ولدي، إن المراقبة التي يورثها الصوم تجعلك تهتف بيقين: "أنا صائم، فإذن أنا حر". الصيام يعلمك التحرر من رق الأشياء، يربيك لتكون عبداً لله وحده، لا عبداً لشهوة، ولا يستعبدك مال أو درهم. ولأنك صرت حراً مما سواه، وتجردت في عبوديتك له، جاء العطاء الإلهي بلا مقياس بشري. لقد أخفى الله ثواب الصيام، ولم يضع له حداً من الحسنات كسائر الأعمال، حتى إنه رفع علم هذا الأجر عن ملائكته الكرام، وقال لهم: "اكتبوا أنه صام، وأنا وحدي من يتولى جزاءه". فيا لروعة العطاء حين يكون الذي سيوفي المكيال، ويملأ الميزان، ويعاملك بالإحسان في اللحظة التي أتقنت فيها عبادته واستشعرت وجوده؛ هو الله جل جلاله. فإنه حتماً سيحسن إليك على قدر جوده المطلق؛ لن يتجلى عليك بمقدار عملك القاصر، بل سيفيض عليك على قدر عظمته، وسعة كرمه وجزالة عطيته، مصداقاً لقوله تعالى في سورة الزمر: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ فالصوم هو عين الصبر، والمكاييل في حضرته تتلاشى أرقامها. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن الصيام ليس امتناعاً ظاهرياً بل هو معراج للحرية من رق الأشياء ومقام للمراقبة التامة، حيث تتجرد العبادة من الرياء لتكون لله وحده، فيأتي الجزاء الإلهي فيضاً مطلقاً يتجاوز الحساب والأرقام ليليق بكرم الديان.
