سر العصمة والرحمة المحمدية: تجليات الشفقة وحبس الدم الشريف يوم أحد دفعاً للعذاب عن الأمة
«عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وفي رواية الإمام الطبراني في المعجم الكبير، وما أثبته القاضي عياض في الشفا والإمام القسطلاني في المواهب اللدنية: أنه ﷺ لما شج وجهه الشريف يوم أحد، جعل يمسح الدم عن وجهه الشريف شفقاً ورأفة، ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، وقال: إني خفت أن يقع دمي على الأرض فيعاجلهم الله بالعذاب».
سر العصمة والرحمة المحمدية: تجليات الشفقة وحبس الدم الشريف يوم أحد دفعاً للعذاب عن الأمة
سياق الشرح
جاء استشهاد فضيلة الدكتور جابر بغدادي بهذا الحديث الشريف في سياق حث المريدين على الصبر وتحمل الأذى عند العجز عن مجاهدة النفس، داعياً إلى التسلية والتأسي بالنجم الأعظم والحبيب الأكرم ﷺ، ومبرزاً ما تجشم من المشاق وما أظهره من الحلم والرحمة والشفقة يوم أحد حين أدمي وجهه الشريف فآثر حبس دمه بيده دفعاً للعذاب عن المعتدين.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث، مؤسساً لمعنى جليل من معاني العصمة والرحمة المحمدية، وكاشفاً عن أسرار التأسي بالأكمل عند اشتداد البلاء على السالكين: إن المريد في سيره إلى الله قد تعركه المحن، وتتكاثر عليه جراح الخلق، فيظن بضعف بشريته أن الصبر انكسارٌ أو دناءة، وهنا يأتي المدد الروحاني من مشكاة النبوة ليصحح المفاهيم ويزكي القلوب.
إن استدعاء هذا المشهد العظيم من يوم أحد، حين أدمي وجه الحبيب المصطفى ﷺ وسالت قطرات دمه الطاهر، ليس مجرد سرد لوقائع السيرة، بل هو غوصٌ في أسرار "مقام الشفقة ومكارم الأخلاق"؛ فالنبي ﷺ لم يكتفِ بالصبر على الجراح، بل بلغ ذروة الإحسان حين جعل يمسح الدم عن وجهه الشريف ويلاحق قطراته بكفه الطاهرة، قائلاً في المعنى الثابت في خصائصه: «أخشى أن تسقط قطرة من دمي على الأرض فيعاجلهم الله بها».
ويستفيض الشيخ جابر بغدادي في تحليل هذه الإشارة الذوقية، مبيناً يا ولدي أن النبي ﷺ كان يعلم يقيناً ما لدمه الشريف من الحرمة والقداسة في ميزان الحق جل جلاله؛ فقد أدرك ببصيرته النبوية أن الأرض لو مست قطرة واحدة من دمه لتزلزلت غضباً لغضب خالقها، ولنزل العذاب الاستئصالي الفوري بمن آذوه؛ فكان حبسه لدمه الشريف بيده الكريمة كمالاً في العصمة ورأفة بالأمة.
وقد أشار إلى هذا المعنى الدقيق سيدي القاضي عياض (ت ٥٤٤ هـ، إمام المالكية ومحدث المغرب) في سفره الخالد "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، حين بوب لفصول شفقته ﷺ وحلمه على أعدائه، مؤكداً أن هذا الصبر المحمدي هو المظهر الأسمى لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
كما يشهد لهذا التأصيل الرصين ما ذكره الإمام القسطلاني (ت ٩٢٣ هـ، شارح صحيح البخاري وركن المذهب الشافعي) في "المواهب اللدنية"، مبيناً أن استغفاره ﷺ لقومه في ذروة ألمه هو عين الكمال الإنساني والاصطفاء الرباني.
ويؤكد الشيخ بأسلوبه التربوي الدافئ أن السالك إذا فهم هذا السر النبوي، هان عليه كل أذى يتلقاه من الخلق؛ فإذا كان سيد ولد آدم ﷺ قد قدر على أن يهلك أعداءه بترك قطرة دم واحدة تسقط على الأرض، ولكنه تواضع لله وآثر العفو والشفقة، فكيف يليق بالمريد أن يضيق صدره بالانتقام لنفسه؟ إن اللغة النبوية في قوله: «أخشى أن تسقط قطرة من دمي» لم تستخدم عبارات القهر أو التهديد، بل استعملت أدق ألفاظ الخشية والحرص على حياة الجهال من قومه، رغبة في هدايتهم.
وهذا يؤكد ما أصله الشيخ سابقاً في تأملات سورة النجم؛ حيث إن الصبر ليس ضعفاً، بل هو قوة قهر النفس وتجريد القصد لله رب العالمين، وهو ما يوافق تعاليم سيدي الإمام الجنيد البغدادي (ت ٢٩٧ هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين) حين عرف الفتوة بأنها اعذار الإخوان وترك الخصومة.
ألا فليكن هذا الحلم النبوي مرهم جراحكم يا ولدي، ومعراج قلوبكم إلى رضوان الله؛ فمن تخلق بأخلاق المصطفى ﷺ سرى سر العناية في باطنه، وبدلت وحشة ابتلائه أنساً بمعية الحق سبحانه وتعالى.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن رحمة النبي ﷺ وشفقتَه بأمته قد تفوقت على حظوظ نفسه في أشد ساعات الألم؛ وأن التأسي بصبره وحلمه عند نزول البلاء هو الصراط المستقيم لتزكية النفوس والترقي في مقامات الإحسان والمعية الإلهية.
