شبر النية وذراع المدد: أسرار الجذب الإلهي للمذنبين
«يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»
شبر النية وذراع المدد: أسرار الجذب الإلهي للمذنبين
سياق الشرح
جاء هذا الحديث القدسي في سياق تطمين العصاة والمقصرين الذين يستصعبون طريق العودة إلى الله، حيث يبين الشيخ أن مجرد الخطوة الصادقة الصغيرة تجلب سيولاً من المدد والعون الرباني.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مبرزاً معنى جليلاً يبعث الأمل في قلوب المنكسرين: يا ولدي، قد يقف العبد أمام ذنوبه متحيراً، يشعر بالضعف الشديد أمام معصية أدمنها، فيتساءل بلسان العجز: "كيف أستعد للتوبة والرجوع؟" هنا يأتيك الجواب النبوي الحاني الذي يصور مدى لهفة الحق سبحانه وتعالى على توبة عبده.
إن التقرب بـ "الشبر" الذي ذكره الحديث القدسي، كما يشير الشيخ، لا يتطلب مشقة يعجز عنها البشر، بل هو أيسر مما تظن.
قد يكون هذا الشبر مجرد "نية صادقة" تعقدها في خلوتك، أو دمعة ندم تسيل على خدك، أو صدقة تخفيها لا يعلم بها إلا هو.فما إن تأخذ هذه الخطوة، حتى يتجلى عليك كرم الكريم بـ "الذراع"؛ وهو المدد، والعون، والتوفيق.
سيزيل عن قلبك حجاب الغفلة، ويعينك على نفسك الأمارة بالسوء.
وحين يتحقق لك هذا المدد، تحدث المعجزة الروحية؛ فالذنب الذي كنت تظن أنك ضعيف أمامه لا تقوى على تركه، تجد فجأة في قلبك قوة قاهرة تنبعث لترده، وتجد نفسك وقد انساقت طوعاً إلى رحاب المساجد وميادين الطاعات.
وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾.
وهنا يحذرنا الشيخ من آفة "الغرور"، فإذا انقلب حالك وأصبحت تكره المعصية التي كنت تحبها، فلا تقل بجهل: "أنا صاحب عزيمة!" بل قل: "لي رب رحيم أدركني بعنايته".
فالفضل كله يعود لصاحب الفضل، وهذا هو ديدن العارفين الذين يشهدون المِنَّة لله في كل طاعة.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن سير العبد إلى ربه لا يُقاس بقوة العمل الظاهر فحسب، بل بصدق التوجه (الشبر)، الذي يستجلب فيوضات العناية الإلهية (الذراع)، فتنقلب به العادات القبيحة إلى طاعات مُحببة بفضل الرشاد الإلهي لا بحول العبد وقوته.
