فقه الهداية المحمدية وتزكية القلوب من الغيرة وحظوظ النفس
«لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم»
فقه الهداية المحمدية وتزكية القلوب من الغيرة وحظوظ النفس
سياق الشرح
ساق الشيخ جابر بغدادي هذا الحديث الشريف في سياق الرد على من يظن أن الفتوحات الإسلامية كانت طلباً للغنائم، ومبيناً كيف عالج النبي ﷺ الغيرة المذمومة وحظوظ النفس بالتركيز على هداية القلوب والفرح بإسلام العباد.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مصححاً لأفهام قاصرة ومؤسساً لمعنى جليل في فقه القلوب والدعوة إلى الله: اعلم يا ولدي أن الغيرة العمياء داءٌ عضال إذا استوطن القلب أفسده، وكم هتكت هذه الغيرة من أواصر للأخوة، وكم قطعت من حبال الإرادة بين السائرين. ولكن حين تشرق شمس المحبة النبوية في جنبات الروح، تتلاشى كل حظوظ النفس الدنيوية، وترتقي الأرواح عن مستوى الأشباح ومطالب الطين. وقد تجلى هذا السر العظيم في شهر شعبان، إبان غزوة بني المصطلق عند ماء يُسمى "المريسيع". هناك، سطر الصحابة الكرام وأمهات المؤمنين أروع آيات التزكية العملية؛ فقد وقعت السيدة جويرية بنت الحارث -رضي الله عنها- في الأسر، وكانت مليحة ملاحة، فجاءت إلى رسول الله ﷺ تبغي أن يعينها في فداء نفسها، فقابلها الحبيب المصطفى، الذي يُشرع للأمة ويربيها، بما هو أعظم وأجل، فقال لها كما روي في السنن: «ألا أدعوك إلى خير من ذلك؟... أن أتزوجك». هنا يا ولدي يتجلى المعنى العميق الذي أشار إليه الشيخ؛ فلم يكن زواجه ﷺ تلبية لرغبة، بل كان سياسة إلهية علوية وحكمة ربانية تنطلق من مشكاة قوله ﷺ في الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري (المتوفى سنة 256 هـ، أمير المؤمنين في الحديث) في صحيحه، والإمام مسلم (المتوفى سنة 261 هـ، إمام المحدثين): «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم». لقد أراد النبي ﷺ أن يهدي قبيلة بأسرها بهذا الزواج المبارك، وأن يحول العداوة إلى مصاهرة، والشرك إلى توحيد. وما إن سمع الصحابة -رضوان الله عليهم- بهذا النسب الجديد، حتى تفتحت بصائرهم على هذا النور النبوي، فتركوا غنائمهم وحقوقهم المشروعة التي أولاهم الله إياها، وأعتقوا مائة أهل بيت من بني المصطلق، قائلين بلسان الحب والأدب: هؤلاء أصهار رسول الله. بل وانظر يا ولدي إلى أم المؤمنين عائشة (المتوفاة سنة 58 هـ، الصديقة بنت الصديق)، كيف تسامت وتنازلت عما في قلبها من الغيرة البشرية إكراماً لرسول الله، وشهدت لضرتها بالفضل قائلة: "ما رأيت امرأة كانت أعظم بركة من جويرية على أهلها". وهذا يؤكد صحة الاستدلال بأن غاية الدين ليست جمع الحطام ولا سلب أموال الناس، وإلا كيف يتركون الغنائم طواعية لولا أنهم تذوقوا حلاوة هداية الخلق؟ فالجهاد في الإسلام لم يُشرع لإرغام الناس على الدين، بل أسمى معانيه هو إزاحة الحواجز لتبلغ دعوة التوحيد قلوب العالمين. فالفوز بأسرة مسلمة وبطفل ينبض قلبه بـ "لا إله إلا الله"، هو في ميزان الحقيقة والشرع أعظم من كنوز الأرض وأموالها وديارها قاطبة. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن الغاية العظمى للسالك والداعية هي دلالة الخلق على الخالق حباً ورحمة، وأن التخلي عن حظوظ النفس الدنيوية كالغيرة والغنائم، يثمر أعظم البركات العلوية في هداية القلوب ورضا علام الغيوب.
