العبادة الصامتة وسر المعية المحمدية في مقعد الصدق
«المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»
العبادة الصامتة وسر المعية المحمدية في مقعد الصدق
سياق الشرح
أورد الشيخ هذا الحديث ليواسي السائرين الذين قد تقصر جوارحهم عن كثرة النوافل، مؤسساً لقاعدة روحانية عظيمة بأن المحبة الصادقة هي طوق النجاة وأعظم عبادة خفية.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مؤسساً لرجاء جديد في قلوب السائرين ومواسياً لأهل العجز: أيطمع العبد، يا ولدي، أن يعبر أهوال يوم القيامة، لا بكثير صلاة يتنفل بها، ولا بوفير صيام يجهد فيه بدنه، بل يَلِجَ الجنة بـ "عبادة صامتة" خفية؟ كأن يقول بلسان حاله ومقاله في انكسار العارفين: "أنا أحب هذا الرجل الطيب الصالح"، أويكفي هذا فحسب؟ نعم يا بني، يكفي ويفيض، فهذا الحديث الشريف هو بشارة المصطفى لكل قلب محب. إن المحبة، كما يراها أهل الله، ليست مجرد عاطفة عابرة، بل هي عبادة تستغرق القلب كله. وقد تتساءل يا ولدي عن شواهد هذه المحبة الصادقة؟ إنها تتجلى في معنيين دقيقين أشار إليهما الشيخ: "وفاء واكتفاء"؛ محبة راسخة لا تزيد بوصل وود، ولا تندثر بصد وهجر، بل هي اكتفاء تام بالمحبوب. وإني لأقول لك بلسان اليقين الذي لا يشوبه ريب: لو أُعطيتُ ما بين الأرض إلى العرش بدلاً من أخي في الله، لما رضيتُ بأخي بديلاً، لا في الملك ولا في الملكوت. وهذا المعنى يتوافق تماماً مع ما قرره حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ، مجدد القرن الخامس وأحد أعمدة التصوف السني) حين بين أن الحب في الله هو أعلى مقامات اليقين بعد محبة الله ورسوله. واعلم، يا ولدي، أن أول ما يُرفع من الأرض من أثر الوحي هو "الحب"، وحينها سنبحث عن جوهر الدين فلا نكاد نجده؛ لأن الدين جسد بلا روح إذا خلا من المحبة. فالحب في الله يقتضي منا أن نجتمع على نوره، وساعة ما اجتمعنا كنا كنجوم تتلألأ في كبد السماء. وحين يفترق الجمع ويمضي كلٌّ منا في سبيله وفي اتجاهه، تبقى المحبة متأصلة، ويبقى الود موصولاً؛ فالرجل الصالح، يا بني، لا ينسى وِداد عُمرٍ كاملٍ بهجرِ لحظةٍ عابرة. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن العبادة الصامتة المتمثلة في صدق المحبة هي أكسير القبول ومفتاح المعية، وأن القلب الممتلئ بحب الصالحين يطير بصاحبه إلى مقامات لا تبلغها الجوارح بكثرة العمل.
