تجليات السماحة وعجائب الرحمة الإلهية في الأمة المحمدية
«يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ: يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ، فَيُسْتَشْهَدُ»
تجليات السماحة وعجائب الرحمة الإلهية في الأمة المحمدية
سياق الشرح
ساق الشيخ هذا الحديث ليبرز زينة الأمة المحمدية المتمثلة في السماحة التامة، وكيف أن الفضل الإلهي يطوي صفحات العداوة ليجمع القاتل والمقتول في مستقر الرحمة كرامةً للمصطفى.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مبرزاً أسرار الجمال الإلهي وسماحة الشريعة الغراء: واعلم، يا بني، أن زينة هذه الأمة المحمدية تكمن في السماحة الخالصة التي لا نظير لها في الأمم السابقة. ففي مشاهد الآخرة العجيبة، وبفيض من كرم الله، قد ترى مشهداً يسلب الألباب؛ رجلين، أحدهما قاتلٌ والآخر مقتول، والاثنان آخذان بأيدي بعضهما البعض ليدخلا الجنة معاً في إخاء وصفاء. ويؤكد هذا المعنى الجلي ما أصله الشيخ سابقاً في شرح حديث المحبة، من أن القلوب إذا صفت اتسعت لمقامات لا تدركها العقول. إن هذه المكرمة وهذا العفو الذي يستدعي "الضحك الإلهي" - وهو كناية عن الرضا التام وسعة الفضل - لم يقع في الكون قط إلا كرامةً وتطييباً لخاطر نبينا المصطفى ﷺ، الذي أرسل رحمة للعالمين. ثم يسوق الشيخ مثالاً حياً من أروقة التاريخ لينزل هذا المعنى المجرد إلى واقع ملموس، فيقول متعجباً في جلال: أنا عايز أسأل عن سيدنا عكرمة بن أبي جهل (ت: ١٥ هـ، الصحابي الجليل والمجاهد الشهيد)، الذي كان يصول ويجول بسيفه في غزوة أحد وعمال يهد في الناس قتلاً وترويعاً. أليس قد أسلم؟ وحسن إسلامه، وقَبِلَ منه النبي المصطفى توبته المخلصة، ثم مات شهيداً في سبيل الله، ليدخل الجنة مع من قاتلهم، متآخين في دار الكرامة؟ بلى يا ولدي، إنها مدرسة التوبة التي تمحو ما قبلها، وتغسل أدران النفوس. فليس في ديننا باب موصد أمام العائدين، بل إن الخطيئة قد تكون أحياناً بساطاً للرجوع والانكسار بين يدي الله، فيبدل الله السيئات حسنات، وتتحول العداوة إلى أنس ومحبة. فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن سعة الرحمة الإلهية تتجاوز منطق البشر في الثأر والانتقام، وأن كرامة النبي ﷺ في أمته تجلت في قبول التائبين وتبديل عداوتهم الدنيوية إلى أخوة أبدية في الجنة.
