Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/شرح الحديث الشريف/مقامات المتقربين وشواهد المحبة الإلهية
صحيح البخاري - حديث 6502 - صحيحتزكية

مقامات المتقربين وشواهد المحبة الإلهية

هذا شرح مستفاد من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
صحيح البخاري - حديث 6502 - صحيحالراوي: أبو هريرة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»
١ / ٢

مقامات المتقربين وشواهد المحبة الإلهية

سياق الشرح

الشيخ يفرق بين غاية من يتعبد لله طلباً للجنة وبين غاية من يتقرب إليه النوافل طلباً للمحبة، مستعرضاً شواهد هذه المحبة حين تتجلى على جوارح العبد، وكاشفاً عن الحكمة من كتابة الموت على أحباب الله ليكون جسر اللقاء الأبدي.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مؤسساً لمعنى جليل يفرق فيه بين مراتب السالكين إلى الله؛ حيث أوضح الفارق الدقيق بين "المتعبد" و"المتقرب".
فالذي يطلب الجنة هو يتعبد لله طمعاً في الثواب، أما الذي يطلب القرب فهو "محب".
ولذلك، لفت الشيخ انتباهنا إلى دقة اللفظ النبوي الشريف حين اختار النبي صلى الله عليه وسلم عبارة «يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ» ولم يقل "يتعبد"، وذلك للإشارة إلى أن النوافل هنا لم تعد مجرد تكاليف ومشاق تُؤدى، بل هي خطوات شوق وود.
وإلا كيف ينال العبد غاية المحبة الخالصة إن كان مقصده مجرد العوض؟ فأسمى غايات النوافل يا ولدي هي نيل القرب لا مجرد الأجر، (صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع، رقم 6502).

وبعد أن يرسخ هذا القرب في قلب السالك، تتجلى عليه "شواهد المحبة"؛ فينفتح له باب العناية الكبرى، مصداقاً لقوله تعالى في الحديث القدسي: «كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ».
وهنا يغوص الشيخ في عمق هذه الإشارة، مبيناً أن الله سبحانه وتعالى يحول بين هذا العبد المحب وبين "الأغيار"، فلا يعود يسمع إلا على مراد الله، ولا يمتلئ وعيه إلا بنور الله، ولا تتسع مداركه إلا لإدراك معاني التوحيد الكبرى.
إن هذا العبد الذي أعرض عن اللغو والنميمة وتحقق بوصف العبودية الخالصة، يكافئه الله بأن يهبه سمعاً مستمداً من أسرار اسمه "السميع"، فيكون الله مجيباً له في كل دعاء واستعاذة.

ثم ينتقل الشيخ ببراعة منقطعة النظير ليحلل ختام الحديث العظيم وتحديداً عند قوله: «وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ»، مبيناً السر وراء كراهية الله لمساءة عبده المؤمن بالموت.
فالله جل جلاله لا يريد ألم حبيبه ومساءته، ولكن "لولا أن الموت هو السبب الوحيد لأن نلتقي بعد الحياة"، لما كتبه الله على أوليائه.
فالموت هنا ليس فناءً، بل هو قنطرة العبور إلى الحياة الخالدة ومقام المكاشفة والمشاهدة.
ويربط الشيخ هذا المعنى العظيم بضرورة المعية الصالحة في الدنيا التي هي امتداد لمعية الآخرة، مستشهداً بما قيل للإمام أبي الحسن الشاذلي (ت 656 هـ، إمام الطريقة الشاذلية وقطب من أقطاب التصوف) حين سُئل: هل كتبت لنا كتاباً؟ فأجاب بلسان المربي العارف: ""كتبي أصحابي"".
ليؤكد الشيخ أن الأثر الباقي والعمل الصالح يتجلى في أولئك الرجال الذين يحملون النور وينقلونه.

فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن العبادة الحقة ليست مجرد أداء للحركات طلباً للعوض، بل هي سير بالقلب في مدارج القرب حباً وشوقاً، حتى تتطهر الجوارح بنور الله، ويغدو الموت جسراً محبباً للقاء المحبوب الأعظم.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا