أسرار مجالس الذكر وحفوف الملائكة بالذاكرين
«وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ»
أسرار مجالس الذكر وحفوف الملائكة بالذاكرين
سياق الشرح
استدل به الشيخ لبيان ثمرة الاجتماع على طاعة الله ومناجاته، كاشفاً للمريدين عن السر البديع لحفوف الملائكة بمجالس الذاكرين في الأوقات التي تكون فيها الشياطين مصفدة.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث كاشفاً عن أسرار المجالس النورانية: يا ولدي، إن الشريعة المحمدية لم تتركنا في طريق السلوك فرادى، بل شرعت لنا الاجتماع على ذكر الله لتتقوى الأرواح وتتآلف القلوب.
وهذا الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الذكر والدعاء، حديث رقم ٢٦٩٩)، يحمل في طياته عطاءات ربانية متدرجة؛ من نزول السكينة التي تطمئن بها القلوب، إلى غشيان الرحمة التي تستر العيوب، وصولاً إلى مقام "وحفتهم الملائكة".
وهنا يطرح الشيخ تساؤلاً ذكياً يستفز به العقول والقلوب معاً، ليربط بين المعاني: لماذا تحفنا الملائكة في هذه المجالس؟
ويجيب الشيخ بانسيابية روحية عميقة، وهذا يؤكد ما أصله الشيخ سابقاً في شرح حديث قدوم رمضان وتصفيد الشياطين.
يقول الشيخ موضحاً: إن الملائكة تحف مجالس الذاكرين لتكون حائط صد منيع يطرد الشياطين ويمنعهم من التشويش على قلوب العباد.
ولكن في رمضان، تتغير المعادلة الكونية! فإذا كانت الشياطين مصفدة أصلاً، وأبواب النيران مغلقة، فما الداعي لحفوف الملائكة إذن؟ هنا يبرز الشيخ الدرة المخبوءة؛ إن الملائكة تحف الذاكرين في هذه الأوقات المباركة لأن المكان قد تحول حقيقة إلى "جنة".
فالشياطين مصفدة، وأبواب الجنان مشرعة، وأرواح الذاكرين تعانق أنوار السكينة، فتنزل الملائكة لتتنعم بهذا النور الذي يفيض من قلوب العباد الموحدين، كما أشار إلى ذلك سيدي الإمام ابن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة ٧٠٩ هـ، قطب العارفين وترجمان الواصلين) مبيناً أن مجالس الذكر هي رياض الجنة في الأرض.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن مجالس الذكر وتلاوة القرآن هي حصون نورانية تتنزل فيها السكينة وتغشاها الرحمة، وأن حفوف الملائكة بالذاكرين هو تنعم بهذه النفحات، مما يجعل هذه المجالس جنة معجلة يتذوق فيها السالك حلاوة المعية الإلهية.
