المُكَالَمَةُ العُليَا: أسرَارُ المُنَاجَاةِ فِي حَدِيثِ قِسْمَةِ الصَّلَاةِ وَعِلَاجُ كَمَدِ الوَحْدَة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ -ثَلَاثًا- غَيْرُ تَمَامٍ». فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ».
المُكَالَمَةُ العُليَا: أسرَارُ المُنَاجَاةِ فِي حَدِيثِ قِسْمَةِ الصَّلَاةِ وَعِلَاجُ كَمَدِ الوَحْدَة
سياق الشرح
ساقَ الشيخُ جابر بغدادي هذا الحديثَ القدسيَّ لِيُخرِجَ المريدَ المكتئبَ من سجنِ انطوائِه، ويُثبتَ لهُ بالدليلِ السنيِّ القاطعِ أنَّ الصلاةَ ليستْ طقساً صامتاً، بل هي "مكالمةٌ عُليا" يردُّ فيها الجليلُ جلَّ جلالهُ على العبدِ آيةً بآية.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث، كاشفاً عن أسرارِ التخاطبِ الربانيِّ التي تذيبُ جراحاتِ المنكفئينَ على أوجاعِهم: يا ولدي، انظرْ إلى دقَّةِ اللفظِ النبويِّ المُعجِزِ حينَ يروي عنِ العليِّ القديرِ قولَه: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي»؛ فلم يقلْ سُبحانَهُ "قسمتُ قراءةَ الفاتحة"، بل سمَّى السورةَ نفسَها "صلاةً"؛ وفي هذا سرٌّ لغويٌّ وإشاريٌّ بديع؛ فالصلاةُ في أصلِ لغةِ العربِ هي "الصِّلَةُ والدُّعاءُ والمُناجاة"، وكأنَّ الحقَّ جلَّ جلالهُ يُخبرُكَ أنَّ حقيقةَ وقوفِكَ في المحرابِ ليستْ ركوعاً وسجوداً بالجسدِ فحسب، بل هي "عقدُ اتصالٍ ومكالمةٌ مباشرة" بينَ أفقرِ الفقراءِ وأغنى الأغنياء.
وكيفَ لا تكونُ كذلك، وأنتَ حينَ تلهجُ بقولِك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ينزلُ عليكَ الردُّ الفوريُّ من فوقِ سبعِ سماوات: «حَمِدَنِي عَبْدِي»، كما أخرجَهُ الإمامُ مسلمٌ (ت: ٢٦١ هـ، إمام المحدثين) في صحيحه.
وتأمَّلْ يا ولدي دقَّةَ التعبيرِ الإلهيِّ في قولهِ: «حَمِدَنِي عَبْدِي»؛ فلم يقلْ "حمدني فلانٌ" باسمِك، بل أضافَكَ إلى ذاتِهِ العليَّةِ بياءِ الإضافةِ والتشريفِ "عبدي"! وإلّا فكيفَ يرتفعُ عنكَ كمدُ الوحدةِ وتزولُ وحشتُكَ في غرفتِكَ المظلمة، إنْ لم تستشعرْ حرارةَ هذه النسبةِ الإلهية؟ وقد قرَّرَ سيدي الإمامُ أبو جعفر الطبريُّ (ت: ٣١٠ هـ، إمام المفسرين) في "جامع البيان" أنَّ وصفَهُ تعالى بـ "ربِّ العالمين" في التلاوةِ هو إقرارٌ بهيمنتهِ المطلقةِ على كلِّ متحركٍ وساكن.
إنَّ آفتَكَ النفسيةَ يا ولدي التي أورثتْكَ الاكتئاب، هي أنكَ اعتدتَ في عالمِ البشرِ أن تتكلمَ فلا يسمعُكَ أحد، واعتدتَ أن تتكلمَ ولا تُنصت، حتى ظننتَ أنَّ الكونَ مالوش رَبٌّ يُدبِّره! فإذا تيقَّنتَ أنَّ مَلِكَ الملوكِ يقطعُ حديثَ الملأِ الأعلى لِيُردِّدَ في الملكوتِ ثناءَكَ عليه، سقطتْ من قلبِكَ هيبةُ البشر، وعلمتَ أنَّ مَن خلقهُ اللهُ وسمَّاهُ "عبده"، يستحالُ أن يتركهُ للضياع.
وبعدَ أن يُرسِيَ الحديثُ قاعدةَ "الإنصاتِ للجوابِ الرباني" في الحمد، ينتقلُ بنا في سلاسةٍ عجيبةٍ إلى معراجِ الطمأنينةِ الكبرى؛ فما إن تنطقَ يا ولدي بقولِك: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، حتى يتردَّدَ صدى صوتِكَ في الملأِ الأعلى، ويُباهي بكَ الحقُّ ملائكتَهُ قائلاً: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي».
وهنا يضعُ الشيخُ جابر المبضعَ على داءٍ خفيٍّ ينهشُ في "النفسِ اللوامة"؛ فأنتَ يا ولدي تأتيني باكياً وتشتكي في حُرقة: "لقد شكرتُ كلَّ الناسِ فما قدّروني، وصنعتُ الخيرَ في القاصي والداني فما شكرني منهم أحد"؟ فيأتيكَ الدواءُ النبويُّ الشافي: اسمعْنا ونحنُ نُعلنُ في الملكوتِ: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي»، فنحنُ الذينَ نعلمُ ما صنعتَ، ونحنُ الذينَ نُجازيكَ عليه.
يا ولدي، إنَّ حزنَكَ على جحودِ البشرِ هو علامةٌ على أنكَ كنتَ تطلبُ "الأجرَ" منَ العبيد، فإذا تذوَّقتَ حلاوةَ ثناءِ الربِّ عليك، استحيتَ أن تطلبَ الشكرَ من سواه.
ومن مَقامِ الثناءِ والمجد، يتدفَّقُ سياقُ الحديثِ القدسيِّ لِيَصلَ إلى "مِفْصَلِ الصلاةِ وسِرِّها الأقدس"؛ حيثُ تنقسمُ الدائرةُ بينَ الخالقِ والمخلوقِ في قولِك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فيقولُ الربُّ: «هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ».
وقد لفتَ سيدي الإمامُ أبو زكريا محيي الدينِ النوويُّ (ت: ٦٧٦ هـ، مُحرِّر المذهب الشافعي) في "شرح صحيح مسلم" إلى أنَّ هذه الجملةَ هي واسطةُ العقد؛ لأنَّ نصفَها الأولَ "إياك نعبد" تذلُّلٌ من العبدِ لربِّه، ونصفَها الثاني "إياك نستعين" وعدٌ بالمددِ من الربِّ لعبدِه.فالإشارةُ السلوكيةُ هنا يا ولدي أنَّ اللهَ تعالى حينَ قالَ: «وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»، فقد أعطاكَ "شيكاً مفتوحاً" منَ العنايةِ والكفاية، بشرطِ أن تُحقِّقَ "إياكَ نعبد"؛ أي تُفرِدهُ وحدهُ بالذلِّ ولا تركعَ بقلبِكَ لِسببٍ منَ الأسباب.
وهذا المعنى يتطابقُ مع ما أصلَهُ سيدي الإمامُ ابنُ عطاءٍ الله السكندريُّ (ت: ٧٠٩ هـ، قطب العارفين وطبيب النفوس) في "الحكم العطائية" حينَ قال: "لا تَرْكَنْ إلى شيءٍ دونَ اللهِ؛ فإنَّ مَن رَكَنَ إلى غيرِ اللهِ، أوكَلَهُ اللهُ إليهِ وخذلَهُ".
فإذا استقرتْ هذه المعاني في سِـرِّكَ يا ولدي، وقرأتَ الفاتحةَ بهذا الشهودِ، قَبِلَ اللهُ منكَ الضعف، واستوعبَكَ بجميلِ اللطف، وفي تلكَ اللحظةِ المهيبةِ تُدَكُّ في باطنِكَ "قواعدُ الأغيار"؛ أي تتهاوى أصنامُ الاعتمادِ على (الطبيب، والمال، والصديق، والجاه)، وتصلُ إلى مَقامِ "الفَنَاءِ عن شهودِ السِّوَى"، لِيُعيدَ اللهُ شملَكَ المبعثر، وتُروى روحُكَ الظمأى من أنهارِ الوصلِ الأقدس.
وإلّا فخبِّرني يا ولدي: كيفَ يكتئبُ إنسانٌ ويشعرُ بالضياع، وهو يملكُ في صلاتِهِ "مكالمةً عُليا" يردُّ فيها خالقُ الأكوانِ عليهِ خمسَ مراتٍ في اليومِ والليلة؟ إنَّ هذا الحديثَ هو مِعراجُ ولادةِ "النفسِ المطمئنة"، ومِفتاحُ الدخولِ في كَنَفِ قولهِ تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أنَّ الصلاةَ ليستْ أداءً لإسقاطِ الفرضِ عنِ الكاهل، بل هي "عقدُ تخاطبٍ وجوديٍّ مباشر"، يُعلِّمُ السالكينَ أنَّ مَن أنصتَ بقلبهِ لِـجوابِ اللهِ لهُ في (الحمدِ لله)، كفاهُ اللهُ مؤونةَ البحثِ عن أُذنٍ تسمعهُ في أهلِ الأرض.
