Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/شرح الحديث الشريف/تَجَلِّيَاتُ الكَرَمِ الإِلَهِيِّ فِي بَسْطِ اليَدِ لِلتَّوْبَةِ: قِرَاءَةٌ إِشَارِيَّةٌ فِي أَدَبِ الوِدَادِ وَإِسْقَاطِ الاِعْتِذَارِ
صحيح مسلم - حديث ٢٧٥٩ - صحيحمحبة

تَجَلِّيَاتُ الكَرَمِ الإِلَهِيِّ فِي بَسْطِ اليَدِ لِلتَّوْبَةِ: قِرَاءَةٌ إِشَارِيَّةٌ فِي أَدَبِ الوِدَادِ وَإِسْقَاطِ الاِعْتِذَارِ

هذا شرح مستفاد من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
صحيح مسلم - حديث ٢٧٥٩ - صحيحالراوي: أبو موسى الأشعري رضي الله عنه
«إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»

تَجَلِّيَاتُ الكَرَمِ الإِلَهِيِّ فِي بَسْطِ اليَدِ لِلتَّوْبَةِ: قِرَاءَةٌ إِشَارِيَّةٌ فِي أَدَبِ الوِدَادِ وَإِسْقَاطِ الاِعْتِذَارِ

سياق الشرح

جاء استشهاد الدكتور جابر بغدادي بهذا الحديث الشريف في سياق بيان أن حقيقة الدين ليست محصورة في أداء الشعائر الظاهرة كالصلوات فحسب، بل جوهره التخلق بأخلاق الله، وتأكيد أن الكريم إذا أحب عبدا لا يحوجه إلى مذلة الاعتذار.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث، مُبْرِزاً سِرّاً مِنْ أَسْرَارِ التَّخَلُّقِ بِأَخْلاقِ الجَمَالِ الإِلَهِيِّ، ومُصَحِّحاً لِمَفْهُومِ التَّدَيُّنِ الجَافِّ: إنَّ كمالَ المحبَّةِ يا ولدي، يقتضي ألا يُحوجَ المحبوبُ مَنْ أحبَّهُ إلى مَذلَّةِ الاعتذارِ وانكسارِ النَّفْسِ.
وتأمَّلْ معي هذا النَّصَّ النَّبويَّ البديعَ الذي أخرجَهُ الإمامُ مسلمٌ في صحيحِهِ (كتاب التوبة، باب قبول توبة الذنوب وإن تكررت)؛ لِتُدركَ أنَّ الدِّينَ في أصلِهِ ليسَ مُجرَّدَ رَكعاتٍ وصَلَواتٍ تُؤدَّى بالجَوارحِ الظَّاهرةِ فحسب، بلْ هو في أعمقِ مَعانيهِ 'خُلُقٌ وتَخلُّقٌ' بِصفاتِ الملكِ علَّامِ الغُيوبِ.
وقدْ وَقفَ أئمَّةُ التَّحقيقِ، ومِنهُم الإمامُ النَّوويُّ (المتوفى سنة ٦٧٦ هـ، مُحرِّرُ المَذهبِ الشَّافعيِّ وشارحُ الصَّحيحِ)، أمامَ قَولِهِ : «يَبْسُطُ يَدَهُ»، فبيَّنوا أنَّ بَسطَ اليَدِ هنا هو كنايةٌ بليغةٌ عنْ سَعةِ الجُودِ، وفَتحِ خزائنِ المَغفرةِ، وقَبولِ الإنابةِ؛ لِتأمينِ رَوعِ العاصي وتَطمينِ قَلبِهِ.
ويَغوصُ بنا الدكتور جابر بغدادي في عُمقِ هذهِ الإشارةِ قائلاً: 'ماذا يعني ذلك؟ ليس موضوع ساعة سحر وساعة إجابة فحسب'؛ أيْ أنَّ القَضيَّةَ ليستْ مَقصورةً على تَحيُّنِ أوقاتِ الإجابةِ الزَّمنيَّةِ، بلْ هي كَشفٌ عنْ صِفةِ 'الكريمِ الودودِ' الذي يَتودَّدُ إلى عبادِهِ المُدبرينَ عنهُ.
وتأمَّلْ يا ولدي هذهِ المُفارقةَ السُّلوكيَّةَ المُدهشةَ التي يَلفتُ الشيخُ أنظارَنا إليها: فبمقتضى المَنطقِ البَشريِّ القاصرِ، وقواعدِ المُعاوضَةِ بينَ الخَلقِ، كانَ الظَّاهرُ أنْ يَبسطَ السَّيِّدُ يَدَهُ باللَّيلِ لِيُكافئَ 'مُحسنَ النَّهارِ'؛ لأنَّ المَخلوقَ لا يُكرمُ إلَّا مَنْ نَفعَهُ وقَدَّمَ لَهُ جُهداً.
أمَّا في مِيزانِ الكَرمِ الإلهيِّ، فإنَّ الآيةَ تَنعكسُ؛ إذْ يَبدو كَرمُ الكريمِ سُبحانَهُ في أبهى تَجلِّياتِهِ حينَ يُكافِئُ مَنْ أساءَ في نَهارِهِ بِبَسطِ يَدِ الرَّحمَةِ في لَيلِهِ، ويَنجلي وُدُّهُ سُبحانَهُ حينَ يُعطي العَطاءَ الذي لا يُستحَقُّ، لِمَنْ لا يَستحقُّ!
وهذا يُؤكِّدُ ما أصَّلهُ أئمَّةُ السُّلوكِ، ومِنهُم سيدي الإمامُ ابنُ عَطاءِ اللهِ السَّكندريُّ (المتوفى سنة ٧٠٩ هـ، إمامُ العارفينَ وصاحبُ الحِكَمِ)، منْ أنَّ مَدارَ العُبوديَّةِ على شُهودِ المِنَّةِ ومُطالعَةِ التَّقصيرِ.
فاللهُ جلَّ جلالُهُ بَسطَ يَدَهُ لِلمُسيءِ؛ لِيُخبركَ أنَّهُ سُبحانَهُ لا يُحوجُ مَنْ أحبَّهُ إلى الاعتذارِ.
فالمُحبُّ البَشريُّ الصَّادقُ إذا أساءَ إليهِ حبيبُهُ، فإنَّهُ يَسبقهُ بالعَفوِ قبلَ أنْ يَتكلَّفَ الحبيبُ مَشقَّةَ صياغةِ أعذارِهِ؛ فكيفَ بأرحمِ الرَّاحمينَ؟ إنَّهُ سُبحانَهُ يَفتحُ لكَ البابَ قبلَ أنْ تَطرقهُ، ويَغفرُ لكَ بمجرَّدِ انكسارِ قَلبكَ قبلَ أنْ يَنطقَ لِسانكَ.
وإلَّا فكيفَ يَتحقَّقُ العبدُ بِمَقامِ الإحسانِ إنْ لَمْ يَشهدْ هذا اللُّطفَ السَّابقَ؟ فإذا تشرَّبتَ يا ولدي هذا المَعنى، أدركتَ السِّرَّ في رَبطِ الشيخِ بينَ هذا الحديثِ وبينَ الآيةِ الكريمةِ ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾؛ فالذي بَسطَ يَدَهُ لِلمُسيئينَ كَرَماً، هو ذاتُهُ الذي عاتبَ سيِّدَ المُحسنينَ باللُّطفِ وِداداً.
فاحذرْ يا ولدي أنْ تَركنَ إلى ظَواهرِ أعمالكَ، أو أنْ تَنصبَ لِعبادِ اللهِ مَشانقَ المُحاسبَةِ، بَينما ربُّكَ يَبسطُ لَهُم أكفَّ المَغفرةِ باللَّيلِ والنَّهارِ.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أنَّ كَمالَ الجُودِ الإلهيِّ يَتجلَّى في سَبْقِ الرَّحمَةِ لِغَضبِهِ، وأنَّ اللهَ سُبحانَهُ يَتودَّدُ إلى العاصينَ بِبَسطِ يَدِ المَغفرةِ؛ لِيَرفعَ عنهم ذُلَّ الحِجابِ، ويُعلِّمَ السَّالكينَ أنَّ أسمى مَراتبِ المَحبَّةِ هي إسقاطُ حُقوقِ المُعاتَبَةِ، وسِتْرُ زَلَّاتِ المَحبوبِ.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا