Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/شرح الحديث الشريف/ذوق الإيمان ومراقي الرضا: بلسم القلوب من قلق الوجود
صحيح مسلم - حديث 34 - صحيحتزكية

ذوق الإيمان ومراقي الرضا: بلسم القلوب من قلق الوجود

هذا شرح مستفاد من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
صحيح مسلم - حديث 34 - صحيحالراوي: العباس بن عبد المطلب
«ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا»

ذوق الإيمان ومراقي الرضا: بلسم القلوب من قلق الوجود

سياق الشرح

استشهد الشيخ بهذا الحديث النبوي الشريف ليضع وصفة ربانية وبلسماً شافياً لكل من يعاني من قلق أو فجيعة بفقد حبيب، أو غدر صديق، أو شعور بالظلم، مبيناً أن دواء ذلك كله يكمن في تحقيق مقام الرضا.

نص الشرح

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مؤسساً لركيزة طمأنينة القلوب في زمن تقلبات الأحوال ومصححاً لبوصلة الروح: إن الإنسان يا ولدي في رحلة حياته قد تتقاذفه أمواج الابتلاء؛ فبين قلقٍ ينهش الصدر، أو فجيعةٍ بموت عزيز يقف العقل أمامها حائراً لا يدرك كيف يرضى أو يصبر، أو صديقٍ يخون العهد، أو شعورٍ قاهرٍ بالاضطهاد في هذا العالم المتلاطم؛ في وسط كل هذا الركام، يبرز هذا التوجيه النبوي العظيم الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان) كطوق نجاة.
يطلب منا الشيخ أن نكتب هذه الكلمة النبوية العظيمة على مكاتبنا وفي سويداء قلوبنا، لنتذكرها في كل نازلة.
إن للإيمان طعماً وحلاوة لا يدركها إلا من باشرت حقيقتها قلبه.
وطعم الإيمان يا ولدي يتجلى في اليقين؛ أن تثق بالله ثقة مطلقة فلا يخالجك شك، وأن تفرح بفضله فلا يقربك حزن.
من أيقن أن رزقه على الله فلن يحزن أبداً.
ساعة أن يلامس هذا الذوق وجدانك، فإن أي أمر يخيفك سترده عنك بيقين الأنبياء متدثراً بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
وهنا يغوص الشيخ في بيان معاني "حلاوة الإيمان"، فهي اليقين، والفرحة، والشهود، والقرب، والثقة التامة.
هي "الاستغناء بالله عما سوى الله"، وعين "التوحيد"، و"الأنس بالله" في الخلوات.
هي النور الذي يقذفه الله في القلب ليميز به بين الحق والباطل، وهي السعادة والطمأنينة والسكينة.
وإذا أردت أن تبلغ هذا المقام الذي عبر عنه العارفون، وعلى رأسهم سيدي إبراهيم بن أدهم (ت ١٦٢ هـ، الإمام القدوة وأحد أعلام الزهد والتصوف) حين قال: "والله إن لنا حالاً مع الله لو علموه عنا ملوك الأرض لقاتلونا عليه بالسيوف"، فاعلم أن طريقه هو الرضا.
وهذا الرضا هو الذي يدخلك في دولة أولياء الله التي وصفها الحق بقوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، فعاشوا في كنف "دولة الحب المتبادل".
ثم يفصل الشيخ أركان هذا الرضا ومراقيه، مبيناً أن الرضا بالله رباً يتحقق بأن تقنع بحكمته البالغة، وتشكر نعمته، وتعظمه في منته، وتوحده فلا تشرك به شيئاً.
وأعظم مراقي هذا الرضا أن تسلم لأحكامه وتترك الاعتراض، فلا تقل "لِمَ حصل لي هذا؟" أو تتساءل في سخط "هل لا يوجد غيري في الكون ليُبتلى؟".
بل توقن أنه بقضاء الخبير، وترد على وساوس الشيطان بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ وقوله جل جلاله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾.
وهذا المعنى يتوافق تماماً مع ما قرره سيدي ابن عطاء الله السكندري (ت ٧٠٩ هـ، إمام الطريقة الشاذلية وحكيمها) في حِكمه حين بيّن أن التسليم وإراحة النفس من التدبير هو عين الأدب مع الله.
أما الرضا بالإسلام ديناً، فهو العمل بشريعة الله والابتعاد عن البدع والأهواء، فالحقيقة لا تخالف الشريعة.
والرضا بمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، يعني أن تتخذه إماماً وقائداً، فيكون قدوتك في الصبر عند البلاء، والحمد عند الرخاء، والرحمة بالخلق، والعطاء بلا حدود.
أن يكون سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو درسك الدائم ومدرستك التي تتزكى فيها، وبذلك ينال العبد كمال الإيمان.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن تذوق حلاوة الإيمان مرهون بتحقيق مقامات الرضا الثلاثة، ومتى ما استقرت هذه المقامات في القلب، أثمرت سكوناً في الجوارح ويقيناً يرد عن العبد كل مخاوف الدنيا وأحزانها، ليعيش آمناً في سرادق العناية الربانية.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا