ميزان الكمال المحمدي: قلب يرجح بالأمة ويحفظ مقام العبودية
«فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: زِنْهُ بِعَشَرَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِعَشَرَةٍ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِمِائَةٍ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِأَلْفٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِأَلْفٍ فَرَجَحْتُهُمْ، فَقَالَ: دَعْهُ عَنْكَ، فَلَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمَّتِهِ لَرَجَحَهُمْ»
ميزان الكمال المحمدي: قلب يرجح بالأمة ويحفظ مقام العبودية
سياق الشرح
أورد الشيخ هذه الرواية المتممة لحدث شق الصدر، ليبرز سعة وعظمة القلب المحمدي الذي فاق الخلائق وزناً ورحمة، وليضبط ميزان التزكية بين شهود الاصطفاء الإلهي وتحقيق مقام الافتقار البشري.
نص الشرح
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث مصححاً لميزان الفهم في مقامات النبوة: بعد أن طُهر القلب الشريف بماء زمزم، جاء مشهد من أعظم مشاهد التكريم الإلهي، وهو مشهد "الوزن".
يقول الحديث (كما أخرجه الإمام أحمد في مسنده، مسند الأنصار، حديث أبي ذر الغفاري) أن ميكائيل أمر جبريل عليهما السلام أن يزن النبي.
ويوضح الشيخ هنا نقطة جوهرية؛ فيتساءل: هل يوزن جسده؟ لا يا ولدي، إنما الذي يُوزن هو "قلبه" الشريف بما حوى من أنوار ومعارف وعبودية.
وحينما يوزن هذا القلب، فإنه لا يُوزن بأي رجال، بل يوزن برجل من أكابر الخلائق؛ برجال كإبراهيم وإسماعيل وموسى وهارون.
يوزن باثنين فيرجح، يوزن بمائة فيرجح، حتى يبلغ الأمر منتهاه فيقول الملك: "دعه، فلو وزنته بالأمة لرجح".
يا ولدي، إن هذا القلب قد امتلأ نوراً ليرى نور الله، وامتلأ رحمة ليسع خلق الله جميعاً.
وإن سيدنا جبريل عليه السلام قد نال أشرف كرامة حين سُمح له أن يحمل هذا القلب المحمدي على كفه.
ولكن، وهنا تتجلى براعة التوجيه السلوكي الذي أصله الإمام الجنيد البغدادي (المتوفى سنة 297 هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين)، وهو أن الترقي في مدارج الكمال لا يسقط التكليف ولا يمحو العبودية.
فرغم أن هذا القلب يرجح بالأمة جمعاء، ورغم أنه لا يضاهيه في الكمال شمس ولا بدر تمام، فإن النبي ﷺ يظل متذللاً منكسراً أمام عظمة ربه، مردداً بلسان الافتقار: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾.
وهذا يؤكد ما أصله الشيخ سابقاً في شرح الحديث الأول عن التخلية والتحلية؛ فالقلب الذي خُلي من حظ الشيطان، حُلي بهذا الاتساع والرجحان.
وهو درس بليغ لكل سالك في طريق الله: مهما انشرح صدرك، ومهما زالت من قلبك العوائق، ومهما شعرت بلذة الطاعات، فلا يجوز لك أبداً أن تخرج عن خيمة "إنما أنا بشر".
فالكمال كل الكمال في أن تتسع روحك لفيوضات الرب، بينما يظل قالبك ساجداً في محراب العبودية.
فمن معاني الحديث الواسعة وإشاراته: أن القلب المحمدي هو الميزان الأوفى للرحمة واليقين، وأن غاية الترقي الروحي للسالك هي أن يجمع بين شهود العطاء الرباني ودوام الانكسار والافتقار البشري.
