أدب التسليم: دواء القلوب من داء الاعتراض والتسخط
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١١٢
أدب التسليم: دواء القلوب من داء الاعتراض والتسخط
سياق الإشارة
جاء الاستشهاد بهاتين الآيتين في سياق التحذير من آفة الاعتراض الخفي على أقدار الله، وتأديب النفس لترك التساؤلات النابعة من التسخط مثل "لماذا أنا؟".
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي مصححاً لمرض من أمراض القلوب الخفية ومبيناً أثر حلاوة الإيمان في التسليم، إن من تمام الرضا أن نكف ألسنتنا وقلوبنا عن الاعتراض على تدبير الخبير جل جلاله.
اعلم يا ولدي، أن النفس إذا غفلت عن مقام التوحيد، طفقت تتساءل في تسخط وقت البلاء: "لماذا حصل لي هذا؟ هل لا يوجد غيري في الكون؟ لماذا يحدث معي أنا بالذات هذا الأمر؟".
هذا الاعتراض المبطن ينافي حلاوة الإيمان التي من أركانها الثقة والقبول والرضا عن الله.
لذا، يوجهنا الشيخ إلى الارتقاء لمقام التسليم، مستندين إلى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾، ومسلمين لحكمته المطلقة بقوله جل وعلا: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾.
إن أعظم مراقي الرضا يا بني هو أن ترضى عن أحكام الله، فلا تقل "لِمَ؟" ولا "بِمَ؟".
وهذا يتوافق تماماً مع منهج العارفين، كما قرره سيدي ابن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة 709هـ، قطب العارفين وإمام الطريقة الشاذلية) في حِكمه حين بيّن أن إراحة النفس من التدبير والتسليم للقضاء هو عين الأدب مع الله.
إن حلاوة الإيمان تقتضي توحيد الأفعال؛ فتشهد أن المنعم والمبتلي هو الله، وتقتنع بحكمته في كل أمر، لتستريح من عناء الاعتراض وتسكن إلى سعة الرضا.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن التسليم المطلق لمشيئة الله والرضا بأقداره هو بوابتك الكبرى للنجاة من عذاب الاعتراض، وهو مقام عالٍ لا يصل إليه إلا من توج قلبه باليقين المريح.
