أسرار فواتح السور: لغز الحروف المقطعة وضرورة التلقي عن المربي
الٓمٓ ١
أسرار فواتح السور: لغز الحروف المقطعة وضرورة التلقي عن المربي
سياق الإشارة
يطرح الشيخ تساؤلاً بلاغياً يثير انتباه السامع حول الفارق الدقيق بين رسم القرآن وطريقة نطقه، ليؤسس من خلاله لقاعدة صوفية كبرى حول افتقار المريد إلى المربي البصير.
نص الإشارة
﴿الم﴾ قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية كاشفاً عن الخريطة الروحية لفهم سر الحروف المقطعة في كتاب الله: هل سألت نفسك يا ولدي يوماً عن السر المكنون وراء هذه الأحرف النورانية؟ إن المتأمل في رسم المصحف الشريف يجد أن حروف "ألف، لام، ميم" كُتبت متصلة رسماً، ولكننا نقرأها مقطعة بصوت مسكن لكل حرف على حدة. وهذا التباين بين الرسم والنطق لم يكن ليُعرف باجتهاد عقلي، بل عُرف بالتلقي المباشر والسند المتصل إلى الحبيب المصطفى ﷺ. وقد أشار إلى ذلك الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي (المتوفى سنة 279 هـ، إمام المحدثين وصاحب السنن) في جامعه، حين روى حديث النبي ﷺ الذي يبين فيه فضل التلاوة قائلاً: «لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف». ومن هنا، يا ولدي، ينطلق الشيخ من ظاهر التلاوة إلى باطن التزكية، مبيناً أن الحروف المقطعة تُذكر بأسمائها لا بأوصافها؛ وفي هذا تتجلى معجزة النبي الأمي ﷺ الذي نطق بالحروف مسماة تعليماً لأمته. وكما أنك لا تستطيع قراءة كتاب الله من المصحف وحدك دون أستاذ يضبط لك التلاوة ويوقفك على مواضع الوصل والقطع، فكذلك لا يمكنك قراءة كتاب نفسك دون مربٍّ بصير؛ لذا صدق العارف بالله مصطفي البكري حين قال: ""والزم باب الأستاذ تفز، وتكون بذلك خِلَّ نجي، واخرج من كل هوى أبداً، ودع التلفيق مع الهرج"". فأنت قد تتلقى نعم الله ومدده دون واسطة، لأن الله هو الوهاب، ولكنك تحتاج يقيناً إلى شيخ بصير يأخذ بيدك، ليرقيك في مراتب الأدب مع هذه العطايا، ويعلمك كيف تشكرها لترقى إلى مواطن الزيادة. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن ظاهر الشريعة مبني على التلقي لضبط اللسان، وباطنها مبني على صحبة المربي لضبط الجنان، فلا يكمل المريد في طريق الله إلا بمن يعلمه أدب الشكر على النعمة ليرتقي بها من العطاء إلى مشاهدة المعطي.
