تجليات الكرم: الغني يشكر العبد على توفيقه للطاعة
۞ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ١٥٨
تجليات الكرم: الغني يشكر العبد على توفيقه للطاعة
سياق الإشارة
يذكر الشيخ هذا الوصف القرآني ليعكس مدى كرم الله الذي يفوق إدراك العقول؛ حيث إن الله يخلق العمل في العبد، ويوفقه إليه، ثم يُثني عليه به ويشكره عليه مع غناه التام سبحانه.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مجلياً عظمة الكرم الإلهي: يا ولدي، تأمل معي هذا التجلي العظيم؛ إن الكريم جل جلاله يعينك على الطاعة، ويغفل الطرف عن معونته لك، ثم ينسب الفعل إليك تشريفاً، وبعد ذلك كله يمدحك ويشكرك عليه مصداقاً لقوله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾! هذا هو الكرم الذي لا يحيط به وصف ولا يدركه عقل. حين يقول الله عن نفسه أنه شاكر، فهذا مقام يُذيب قلب المريد حياءً وخجلاً؛ كيف يشكرني سيدي على ما هو في الأصل عطاؤه؟ هنا ندرك سر العطاء الرمضاني، فقبل أن يتلذذ الصائم بصيامه، وقبل أن يقف العابد في محرابه، كان الفضل الإلهي قد سبق؛ فُتحت الجنة، وأُغلقت النار، وصُفدت الشياطين، كما في الحديث الصحيح: «إذا جاءَ رَمَضانُ فُتِّحَتْ أبْوابُ الجَنَّةِ، وغُلِّقَتْ أبْوابُ النَّارِ، وصُفِّدَتِ الشَّياطِينُ» (صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب فضل شهر رمضان، حديث رقم 1079).
كل هذا تمهيد واحتفاء بك، فماذا فعلتَ لتنال هذه العطايا؟ لا شيء. إنه الفضل المحض. ويؤكد هذا المعنى الجلي ما سقناه في الإشارات السابقة، فكما أنه خلق العمل ووفقك إليه، فهو سبحانه يتكرم بقبوله وشكره. وهو ما أشار إليه العارف بالله الإمام الغزالي (ت 505 هـ، حجة الإسلام ومجدد علوم الدين) حين بيّن أن الشكر من الله لعبده هو إثابته وإعطاؤه فوق ما يستحق فضلاً منه وكرماً، ليعلم العبد أن المعاملة مع الله مبنية على الجود لا على العدل والمقايضة. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن رؤية شكر الله للعبد مع استغنائه المطلق عنه تورث في النفس حياءً يمنعها من المعصية، وتجعل العبد غارقاً في بحار المنن، لا يرى لنفسه حولاً ولا قوة إلا بمولاه الكريم.
