الإحاطات الخمس في آية الكرسي وأسرار التوكل والتسليم
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ ٢٥٥
الإحاطات الخمس في آية الكرسي وأسرار التوكل والتسليم
سياق الإشارة
جاء سياق كلام الشيخ في مقام بيان فضل سيدة آي القرآن، وتثبيت قلوب السائرين إلى الله، حيث كان يضع قاعدة إيمانية راسخة في التوكل ونفي الفاعلية عن الأسباب الظاهرة، وإرجاع الأمر كله لمسبب الأسباب جل جلاله في الشدائد والمعطلات.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مؤسساً لمعنى جليل في مقام التوكل والتسليم: إن القارئ لسيدة آي القرآن لا يمر بحروفها مرور الكرام، بل هو يا ولدي يلج في حصن رباني مشيد، ويدخل في خمس إحاطات نورانية تعصم قلبه من التشتت في أودية الأسباب الظاهرة. فمتى تلوت ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾، أشرقت في روحك حقيقة ساطعة؛ وهي أن لا سبب في هذا العالم بأسره، علويه وسفليه، يتحرك أو يسكن إلا بأمر الله جل جلاله ومشيئته. وسوف توقن بعين البصيرة أن كل المعطلات في مسيرتك الدنيوية والروحية لا يملك تشغيلها وتيسيرها إلا الله سبحانه وتعالى. وهذا المعنى الجليل يتصل اتصالاً وثيقاً بما أرشدنا إليه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في وصيته الجامعة، حيث قال: «ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك» (أخرجه الإمام الترمذي في سننه، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع). فلا تدع يا ولدي في قلبك ذرة من خوف لمخلوق، ولا رجاء في سوى الخالق، كما نص على ذلك الإمام ابن عطاء الله السكندري (ت: ٧٠٩ هـ، تاج العارفين وقطب الصوفية) حين بين أن إحالة الأمر لله هي عين الوصول. ثم يسوق لنا الشيخ لتعميق هذا الفهم العقدي قصة إسلام حصين رضي الله عنه، مبرزاً كيف تعامل النبي الأكرم مع الفطرة ليوقظها. فقد سأله النبي بحكمة النبوة: كم من الآلهة تعبد؟ فقال الرجل متخبطاً في أوهام الشرك: سبعة؛ ستة في الأرض وواحد في السماء. فسأله النبي صلى الله عليه وسلم ليستخرج درة اليقين من أعماق قلبه: فإذا ألمت بك شدة وبلية، وعظم عليك الأمر، فإلى من ترفع شكواك؟ قال حصين بفطرته السليمة: أرفعه إلى الذي في السماء. وهنا صوبه النبي قائلاً: أليس هذا حقاً أن يُعبد؟ فعاد الرجل إلى رشده، وتهللت أساريره بنور التوحيد. وكان النبي قد وعده قائلاً: أما إنك يا حصين لو أسلمت لأعلمنك كلمتين تنفعانك. فلما أسلم، وفّى له النبي بالوعد النوراني وعلمه أن يلتجئ إلى مولاه قائلاً: «اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي» (أخرجه الإمام الترمذي في سننه، كتاب الدعوات). ولما نغوص في أنوار هذه الآية الكريمة، نجد أن الشيخ بغدادي استخرج منها خمس إحاطات تتجلى فيها خمسة من أسماء الله الحسنى. ففي قوله تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ تتجلى ""إحاطة القدرة"" المطلقة التي لا يُعجزها حفظ السماوات والأرض، فكيف يعجزها حفظ قلبك المفتقر إليه؟ وفي قوله سبحانه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ تشرق ""إحاطة العلم"" الرباني الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة. وأما اسمه سبحانه: ﴿الْحَيُّ﴾ فهو يشير إلى ""إحاطة الحياة"" الدائمة الكاملة الواهبة لكل حياة. وفي اسمه: ﴿الْقَيُّومُ﴾ تظهر ""إحاطة القيومية"" التي بها قوام كل شيء في الوجود. وتُختتم الآية بقوله: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ لتتوج القلب بـ ""إحاطة العظمة"" التي تصغر دونها كل قوة، ليظل العبد في كنف حفظ الله ورعايته. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: إن قراءة آية الكرسي ليست مجرد تلاوة لسانية، بل هي ولوج روحي في حصن الله عبر خمس إحاطات ربانية (القدرة، العلم، الحياة، القيومية، العظمة)، تورث العبد كمال اليقين بأن محرك الأسباب وميسر المعطلات هو الله وحده جل جلاله.
