أدب السالكين في سر تقدم التوبة الإلهية
وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١١٨
أدب السالكين في سر تقدم التوبة الإلهية
سياق الإشارة
جاء هذا الشرح العميق في معرض تحذير المريدين من آفة "العجب بالنفس" بعد التعافي من الذنوب، ومؤسساً لعقيدة أن التوفيق للطاعة يسبق فعل العبد.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مؤسساً لأدب السالكين في مقام التوبة: إن هناك أدباً دقيقاً يغيب عن كثيرين وهم يطرقون باب الله، يتجلى في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾. فاحذر يا ولدي إذا ابتُليت بذنب ثم عافاك الله منه، أن تُسأل: "كيف تبت؟"، فتجيب بلسان الغرور: "بعزيمتي وإرادتي القوية"! فإن من ينسب الفضل لنفسه سرعان ما يسلب التوفيق ويعود لذنبه. لقد أثبتت الآية الإشارة العقدية الجليلة: أن توبة الله عليك (بالتوفيق والإذن) قد سبقت توبتك الفعلية (بالعمل والندم). فمن تأدب مع سر اسم الله "التواب"، أرجع الفضل لصاحب الفضل قائلاً: "لي رب تاب عليّ ونظر إليّ بعين الرحمة"، فشكرُك لله على التوبة عصمة لك من العودة إلى الذنب. أما الذين نقضوا عهد المتاب، فهم الذين اغتروا بأنفسهم، فنقضوا عقد المتاب بعد معاهدة التواب، لأنهم نسبوا النجاة لأنفسهم وغفلوا عن هذا السر القرآني الدقيق. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن إرادة العبد التائب تابعة لإرادة الرب الموفق، وأن أعظم حجاب يقع فيه المريد هو شهود نفسه وعزيمته، بدلاً من شهود نعمة الله السابقة التي فتحت له أبواب العودة.
