التتويج الأعظم: استشراف الرضا الإلهي في أسرار التسبيح
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٧٢
التتويج الأعظم: استشراف الرضا الإلهي في أسرار التسبيح
سياق الإشارة
جاء استشهاد الشيخ بهذه الآية الكريمة في سياق بيان الغاية الأسمى من ذكر الله، مصححاً بوصلة القلوب لئلا تقف عند حدود الطمع في الجنة ونعيمها، بل تتجاوز ذلك لطلب رضا المنعم ومحبته عبر الاستغراق في أسرار الكلمات الحبيبات للرحمن ومقامات الافتقار التام.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الآية، مؤسساً لمعنى جليل في طريق السير إلى الله وترقية القلوب: إن أهم من الجزاء ذاته، وأعظم من النعيم المادي الذي قد تتعلق به النفوس، هو بلوغ مقام "الرضا" الإلهي.
يا ولدي، إن الله سبحانه وتعالى قد خلق الجنة وأودع فيها من النعيم ما لا عين رأت، كما جاء في الحديث القدسي الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».
ولكن الحق سبحانه وتعالى توج هذا النعيم العظيم، وجعل ذروة سنامه، وغاية غاياته في قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.
لقد وجهنا الشيخ إلى التوقف طويلاً أمام ما جاء في الصحيحين من حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، ليدلنا على أن استشرافك، يا ولدي، إلى الذكر بهذه الكلمة المباركة بقصد نيل هذا الرضا، يوجب لك محبة خالصة من الله.
فمن واظب على التسبيح بحمد الله مستحضراً مقام "الجلال" في قوله "سبحان الله"، ومقام "الجمال" في قوله "وبحمده"، ومقام "الكمال" في قوله "سبحان الله العظيم"، ذابت حظوظ نفسه، وارتقى في مدارج المعرفة.
حينها يغيب العبد عن نفسه في شهود كمال المحبوب، ليتمثل حال أحد العارفين بالله حين قال معبراً عن فناء الروح في بحار المحبة: "تيهتموني في بديع جمالكم ...فلم أدرِ في بحر الهوى أين موضعي".
إن العارفين بالله يقفون أمام هذه الآية في دائرة العجز عن الشكر، كما أشار الشيخ في مناجاة نبي الله داود عليه السلام، كما ورد في الأثر الذي أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في الزهد وابن أبي الدنيا في الشكر، حين وقف في مقام الافتقار والعجز عن إيفاء حق المنعم قائلاً: "يا رب، كيف أشكرك، وشكري لك نعمة منك عليَّ توجب عليَّ بها شكراً؟"، فأوحى الله تعالى إليه بالجواب الذي يرسخ عقيدة التوحيد وتنزيه الرب: "الآن شكرتني يا داود"، وفي توجيه آخر للمعنى ذاته: "إذا عرفت أن ذلك من عندي فقد حمدتني".
فالطمع في الرضوان الأكبر لا يكون إلا بانسلاخ العبد من رؤية عمله، وافتقاره التام لفضل مولاه.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن الرضا الإلهي هو النعيم الأكبر الذي تتصاغر أمامه كل النعم، وأن الذكر المقترن بالافتقار والعجز عن الشكر هو مفتاح هذا الرضوان، فكلما تجرد العبد عن حظوظ نفسه في طلب العوض، نال من محبة الله ما يفوق الوصف والحد.
