داء العبادة المشروطة وحقيقة التمحيص في المحن
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١١
داء العبادة المشروطة وحقيقة التمحيص في المحن
سياق الإشارة
استشهد الشيخ بهذه الآية ليحذر من خطورة الإيمان المهزوز المرتبط بالمنفعة الدنيوية، مواسياً وموجهاً من يفقدون النور في بيوتهم إثر المصائب وفقد الأحبة، لئلا يخسروا الله في خضم الخسائر الدنيوية.
نص الإشارة
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الآية محذرا من داء العبادة المشروطة، ومؤسساً لمعنى جليل في الرضا عن الله أوقات النوازل: يا ولدي، إن كثيراً من البيوت قد أظلم فيها النور، وانطفأ ضياؤها الروحاني بعد فقد عزيز، أو خسارة وظيفة، أو تعثر في تجارة؛ فتعالت صرخات اللعن والطعن وعدم الرضا عن قضاء الله، فكانت النتيجة أن هربت ملائكة الرحمة من حياة ذلك الإنسان.
إن الخسارة الأولى في الدنيا قد تكون في طياتها نجاح أكبر، وقد تنقلب لخسارة فادحة إن أدت بصاحبها إلى ترك الصلاة والاعتراض على الخالق.
فليس معنى أنك خسرت في عمل، أو فشلت في علاقة زوجية، أو ظلمك الناس وهدروا حقك، أن تتحول إلى ناقم وتخسر ربك؛ فهذا هو الخسران الأكبر.
ويلفت الشيخ أنظارنا إلى دقة اللفظ القرآني في قوله: ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾؛ فلم يقل سبحانه "شراً"، بل قال "فتنة"؛ لأن الفتنة هي الاختبار والتمحيص.
والعبادة "على حرف" تعني الإيمان المهزوز، الذي يقف على حافة الشك، كمن يعبد الله على شرط التجربة والمقايضة.
ويستند الشيخ في بيانه إلى ما أورده الإمام عبد الله بن عباس (المتوفى سنة 68 هـ، حبر الأمة وترجمان القرآن) فيما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (كتاب التفسير)، في سبب نزول هذه الآية الكريمة؛ حيث كانت تنزل في مجموعات من أعراب القبائل حول المدينة، يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلون الإسلام على شرط المنفعة.
فإذا نتجت خيلهم، وولدت نساؤهم، وصحت أبدانهم، اطمأنوا وقالوا هذا دين صالح.
ويضرب الشيخ مثلاً بليغاً برجل من اليهود أسلم، وما هي إلا فترة حتى كُف بصره، ومات ولده، وخسر ماله في تجارته، فعاد أدراجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بجهالة قائلاً: "حلني من الإسلام ده!"، فسأله النبي عن السبب، فاحتج بضياع ماله وولده وبصره.
وهنا يتجلى زيف الإيمان المرتبط بالحظوظ، وتتجلى ضرورة تنقية القلوب من الشوائب ليكون الوصل بالله خالصاً لا تشوبه شائبة المنفعة العاجلة.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: التحذير الشديد من ربط العبادة والتسليم بظروف الدنيا المتقلبة، والتأكيد على أن الابتلاء هو ميزان الصدق الذي يميز فيه الخبيث من الطيب، ليتحقق المرء بمقام العبودية الخالصة لله في المنع والعطاء.
