أسرارُ التوفّي في المنامِ وسريانُ القيُّوميةِ بينَ اليقظةِ والرقاد
ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٤٢
أسرارُ التوفّي في المنامِ وسريانُ القيُّوميةِ بينَ اليقظةِ والرقاد
سياق الإشارة
ساقَ الدكتور جابر بغدادي هذهِ الآيةَ الكريمةَ في معرضِ تفكيكِ ظاهرةِ تعاقبِ الأحوالِ اليوميةِ على جسدِ الإنسان، ليربطَ حركاتِ العبدِ الفسيولوجيةَ بأصولها الغيبية، وينزعَ من قلبهِ وهمَ الاستقلالِ بالتدبير.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية، مؤسساً لأدبِ الشهودِ اليوميِّ ومصححاً لعقيدةِ العبدِ في أطوارِ حياتهِ ورقدته: إنَّكَ يا ولدي حينَ تضعُ جنبكَ على الفراش، فإنكَ لا تمارسُ طقساً بيولوجياً معتاداً، بل تدخلُ في 'محرابِ التسليمِ المطلق' لبارئك؛ فإنَّ النومَ في حقيقتهِ الإشاريةِ هو تجلٍّ لاسمِ اللهِ 'المميتِ'، فإذا هببتَ من رقدتِكَ وفتحتَ عينيكَ في الصباح، عادَ إليكَ سريانُ التجلّي باسمهِ 'الحيِّ'.
وتأمَّلْ يا ولدي في السرِّ اللطيفِ القائمِ بينَ الإماتةِ والإحياء، والذي أشارَ إليهِ الحقُّ بقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾؛ فإنَّكَ وأنتَ غارقٌ في سباتِكَ، مسلوبُ الإرادةِ، فاقدُ الوعي، يسري فيكَ تجلِّي اسمِ اللهِ 'القيُّومِ'؛ إذ من الذي يشغّلُ أجهزةَ جسدك؟ ومن الذي يضبطُ خفقاتِ قلبكَ، ويُجري نَفَسَكَ، ويحفظُ كيمياءَ دمكَ وأنتَ في غيبوبتكَ الصغرى؟ إنَّهُ القيُّومُ الذي لا تأخذهُ سنةٌ ولا نوم! وهذا المعنى البديعُ يؤكدُ ما أصله الشيخُ سابقاً في تفسيرِ آياتِ سورةِ المؤمنون حولَ منحةِ الأنفاس؛ فالجسدُ الترابيُّ لا يتحركُ ذاتياً، بل هو محلٌّ لجريانِ الأفعالِ الإلهية.
ويقررُ هذا المشهدَ سيدي الإمامُ ابنُ عطاءِ اللهِ السكندريُّ (المتوفى سنة ٧٠٩ هـ، ترجمانُ العارفينَ وإمامُ المحققينَ في السلوك) في حكمتهِ البالغة: 'أَرِحْ نَفْسَكَ مِنَ التَّدْبِيرِ، فَمَا قَامَ بِهِ غَيْرُكَ عَنْكَ لا تَقُمْ بِهِ أَنْتَ لِنَفْسِكَ'.
فيا ولدي، اقرأْ كتابَ حياتكَ بوعي؛ فإنَّ ما يجري عليكَ من يقظةٍ ونومٍ، وروحةٍ وغدوة، إنما هي منحٌ ربانيةٌ أدارها مولاكَ على جوارحكَ الترابيةِ بمنحٍ علويةٍ روحية، فإذا استيقظتَ فقلْ بقلبٍ يرى المُسبّبَ قبلَ السبب: الحمدُ للهِ الذي أحياني بعدَ ما أماتني وإليهِ النشور.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أنَّ النومَ واليقظةَ هما مسرحٌ يوميٌّ لتجلّي صفتيِ القهرِ واللطف؛ حيثُ يُسلبُ العبدُ إرادتهُ في المنامِ ليعلمَ افتقاره، وتُرَدُّ إليهِ روحهُ في الصباحِ ليعلمَ أنَّ بقاءهُ محضُ صدقةٍ جاريةٍ من اسمِ اللهِ 'القيُّوم'.
