التوبة منحة إلهية ونيابة ربانية
وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٢٥
التوبة منحة إلهية ونيابة ربانية
سياق الإشارة
كان الشيخ يفرق ببراعة بين مقام "المغفرة" ومقام "التوبة"، ليؤسس لقاعدة إيمانية راسخة وهي أن ترك الذنب ليس بجهد العبد الذاتي المحض، بل هو تدخل إلهي مباشر يستر به الحق سبحانه وتعالى وصف العبد الضعيف بوصفه الكامل، منبهاً العبد ألا ينسب الفضل في توبته لنفسه.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مؤسساً لمعنى جليل يصحح مفاهيم السائرين إلى الله ويعيد توجيه بوصلة قلوبهم: إن الآية الكريمة لم تقل "يقبل التوبة (من) عباده" بل قالت بدقة متناهية ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾، وفي هذا الحرف "عن" سر عظيم وبشارة كبرى؛ فالآية تنطق وتؤكد أن الله -جل جلاله- ينوب عن العبد في عملية التوبة ذاتها. يا ولدي، لندرك عمق هذه النيابة، يجب أن نفرق بين المغفرة والتوبة. المغفرة هي محو أثر الجناية والذنب، أما التوبة التي تشير إليها الآية وتنسب فضلها لله فهي "محو الإصرار" من القلب.
تأمل كيف تشرح الآية هذا التدخل اللطيف: قد ينام العبد وهو مصرٌ على معصيته، مكبلٌ بحلاوة ذنبه، لا يملك من أمره شيئاً، فيمر عليه في سكون الليل طائفٌ من ربه باللطف. هذا الطائف الإلهي هو تطبيق عملي لقوله ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾؛ حيث يستنقذ الله بفضله القلب من حلاوة ما جناه من العصيان، ويستبدل تلك الحلاوة الزائفة بذوق الكراهية للذنب، فيستيقظ العبد وقد أفاق، لا بحوله وقوته، بل بتوبة نصوح وهبها الله له.
هذا التدخل المباشر هو مصداق قوله ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾؛ فالله هو من يأخذ بيدك في لحظة غفلتك، وهو من يستر وصفك الناقص بوصفه الكامل، ويدرك ضعفك البشري بلطفه الرباني. ولتأصيل هذا الفهم من كلام العارفين الذين أدركوا سر هذا الفضل، نستدعي ما قاله الإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة 709 هـ، قطب العارفين وصاحب الحِكم العطائية): "استشرافك أن تصل إليه بعد توبتك من ذنبك وتطهرك من عيبك دليل على أنك لن تصل إليه أبداً؛ لأنه لو أرادك ستر وصفك بوصفه وأدرك ضعفك بلطفه، فالوصول إليه من حيث هو، لا من حيث أنت".
إذن، الآية تقرر بصوت عالٍ أن الفضل في التوبة مبدوء منه ومنتهٍ إليه، وأنه لا ينبغي للعبد أبداً أن يغتر بتوبته أو ينسبها لمجاهدته وقوته، بل يجب أن يرى فضل الله عليه. وهو المعنى ذاته الذي كان يناجي به الإمام أبو الحسن الشاذلي (المتوفى سنة 656 هـ، مؤسس الطريقة الشاذلية) قائلاً: "اللهم تب علينا توبة تمحو من قلوبنا ما أذقنانا من حلاوة المعاصي، واستبدلها بالكراهية لها". فالآية تخبرك أيها العبد أن التوبة خَلعة إلهية وستر جميل، فإذا استنقذك الله من وحل الذنب، فامسك سُبحتك والهج بحمده قائلاً: "سبحان الله وبحمده أنه سترها"، وإياك، ثم إياك، أن تنسب الفضل لنفسك وتنسى قوله ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن التوبة ليست عملاً ذاتياً يتقرب به العبد إلى ربه بقدرته، بل هي اصطفاء ونيابة إلهية خالصة، يتدخل فيها الحق سبحانه ليطهر قلب عبده، مؤكدة أن الفضل في الترك والتوبة يرجع لله وحده، ولا يحق للعبد أن ينسبه لنفسه.
