إعراض الخليل عن فساد الزمان وإقباله على الديان
وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٩٩
إعراض الخليل عن فساد الزمان وإقباله على الديان
سياق الإشارة
استشهد الشيخ بهذه الآية العظيمة ليبرز حال الأنبياء والصالحين حين تتبدل عليهم أحوال أزمنتهم وتكثر الفتن المحيطة، مؤكداً أن سبيل النجاة الوحيد هو تولية الوجه شطر الحضرة الإلهية.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مؤسساً لمعنى جليل في الهجرة الروحية: يا ولدي، انظر بعين البصيرة إلى مسلك الأنبياء والمرسلين حين يشتد هرج الزمان؛ فلقد خرق الله لأهل الكهف عوائد الكون وثبت لهم الزمن، وكل هذا حدث لأنهم أعطوا ظهورهم لفساد الوقت وأقبلوا عليه سبحانه. ولنا في خليل الرحمن إبراهيم -عليه السلام- أسوة بالغة، فبينما تبدل عليه الزمن واغتر قومه بعوائدهم الباطلة ومضلات أوقاتهم، نطق بكلمته الخالدة التي تزلزل أركان الغفلة: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. وقد يتساءل المريد المتبصر: إلى أين كان مسراه؟ وإلى أي وجهة كان يمضي؟ لم يكن ذهابه مجرد انتقال في المكان، بل كان يعرض بكليته عن زمانه المتخبط، يفر من مضلات وقته وفتن عصره، ليقبل بقلبه وروحه وعزيمته على الله وحده. إن هذا الإعراض هو الخطوة الأولى والجوهرية في طريق الهداية الكبرى، حيث لا سبيل للوصول إلى أنوار الحق والاصطفاء إلا بالتجرد التام عن ظلمات الخلق وفتن المجتمع المحيط. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن المسافر الصادق في طريق الله لا يعبأ بتبدل الأزمان ولا يغتر بفساد العوائد المحيطة، بل يجعل وجهته الدائمة وإقباله الكلي نحو مولاه الذي يتكفل بهدايته وعنايته المطلقة.
