سر الباء المحمدية: النيابة الإلهية في الإيواء والإغناء
أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ ٦
سر الباء المحمدية: النيابة الإلهية في الإيواء والإغناء
سياق الإشارة
تحدث الشيخ عن هذه الآية في سياق بيان كرامة النبي ﷺ على ربه، وكيف تحوّلت صفة 'اليُتم' فيه من مظهر انكسارٍ بشريٍّ إلى مصدر إعزازٍ وتكافلٍ لجميع الخلائق.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية، مبرزاً لطيفةً نحويةً وذوقيةً تفتح للمريدين أبواباً من الشهود: إنك إذا قرأتَ يا ولدي أفعال المنّة الإلهية في سورة الضحى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾، و﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾، وأضفتَ إلى أواخرها حرف الجر وضمير المخاطب 'بِكَ'، لانكشف لك سرٌّ عظيمٌ من أسرار العطاء؛ فيصير النظم الإشاري في التلقي: 'آواه بك، وأغنى بك، وهداه بك'.
ويشرح الشيخ هذا المعنى مبيناً أن الله سبحانه وتعالى لم يُؤوِ نبيه ﷺ فحسب، بل 'آوى اليتيمَ بك، وأغنى العائلَ بك'، وجعل ذاته الشريفة باباً لرحمة العالمين.
ويؤصل لهذا المعنى سيدي الإمام أبو حامد الغزالي (المتوفى سنة 505 هـ، حجة الإسلام ومجدد علوم الدين)، في بيانه لـ 'واسطة الفيض الإلهي'؛ فالله جل جلاله قد أكرم الأيتام جميعاً من أجل يُتم محمد ﷺ، وكأنه يقول لحبيبه: 'لأنك ذقتَ يُتْمَ الأبوين يا محمد، فقد جعلنا اليُتمَ من بعدك شرفاً، وآوينا كل يتيمٍ في الأرض إكراماً لعينك'.
فالمؤمن حين يكفل يتيماً، فإنما يغترف من حياض هذه الباء المحمدية، ويكون نائباً عن رسول الله ﷺ في مسح تلك الدمعة.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن النبي ﷺ هو الخزانة العظمى للألطاف الإلهية، وأن يُتْمَهُ الشريف كان تهيئةً ربانيةً لتكون رحمته وسعاً لكل مكسورٍ ومحتاجٍ في الأمة.
