Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/إشارات من القرآن/أنوار القراءة الأولى ومقام الستر.. رحلة الطينة الغافلة إلى مقامات الشهود
سورة العَلَق - الآية ١التزكية

أنوار القراءة الأولى ومقام الستر.. رحلة الطينة الغافلة إلى مقامات الشهود

هذه إشارة مستفادة من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
سورة العَلَق، الآية ١
ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ١

أنوار القراءة الأولى ومقام الستر.. رحلة الطينة الغافلة إلى مقامات الشهود

سياق الإشارة

جاء استشهاد الشيخ بهذه الآية الكريمة في سياق تذكير العبد بأصل خلقته، وعلاج آفة العُجب ورؤية العمل، مبيناً أن النطق والفهم فضل من الله، وموجهاً القلوب للتعلق باسم الله الستير وترك الالتفات لمدح الخلق.

نص الإشارة

قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الآية مؤسساً لمعنى جليل في باب الافتقار ومحذراً من غوائل النفس: إن الحق جل جلاله حينما أمر نبيه المصطفى ، ومِن خلفه أمته، بقوله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، فإنه يضعنا أمام الحقيقة الكبرى، وهي تجريد العبد من ادعاء الحول والقوة، ورده إلى محض الفضل والمنة. يا ولدي، إن النطق الذي تتباهى به، والفهم الذي تظن أنه من كسبك وذكائك، ما هو إلا أثر من آثار "الاسم العليم" الذي فك عقدة لسانك. فحين تقرأ أو تتكلم بالحكمة، يجب أن تشهد بقلبك أن هذه النعمة "مش بتاعتك"، بل هي عارية استودعها الخالق فيك لتقوم بحق عبوديته. ويغوص الشيخ في علاج أمراض القلوب بدقة العارفين، فيلفت انتباهنا إلى آفة "العُجب" والزهو حين تسمع ثناء الناس عليك، ناسيًا أنك في الخلوات "مذنب وعامل عمايل".

وهنا يبرز الشيخ دواءً ناجعاً بالتعلق باسم الله "الستير"، مصداقاً لما أخرجه الإمام أبو داود في (سننه، كتاب الحمام، باب في النورة) من قوله : «إن الله عز وجل حيي ستير يحب الحياء والستر». فإذا أطلق الله ألسنة الخلق بالثناء عليك، فاعلم يا بني أنهم لم يمدحوك لشخصك، بل مدحوا جميل ستر الله المسبل عليك، كما يقرر ذلك سيدي الإمام ابن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة 709 هـ، تاج الدين وقطب العارفين صاحب الحكم العطائية) بقوله: "من أثنى عليك فإنما أثنى على جميل ستر الله فيك". فاشكر من سترك ولا تشكر من مدحك، لتتحرر من رق الرياء. ثم يرتقي الشيخ بالمعنى ليوضح حقيقة التكوين الإنساني؛ فأنت في أصلك "بلوك طين"، أرضي الجذور، ولكن الله شرفك بنفخة الروح، وجعل في طيتك "جوهرة من النور". وعندما تحاول هذه الطينة أن تتصل بالسماء، وتبحث عن العبور من كثافة الشهوات إلى "الروحانية" ثم إلى "مقامات السر والشهود والعرفان"، تأتي الآية ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ لتكون هي معراجك. فاقرأ لتعرف حدودك، قف أمام مرآة ذاتك لترى الحقيقة وتسمع نداء الحق: "خد اللي ليك وسيب لنا اللي لينا، واعرف أنت مين وإحنا مين". لك العجز والفقر والذلة، وله الجود والقهر والعظمة.

ويتوج الشيخ هذا الفهم الإشاري بالحديث عن التجلي الأكمل في الذات المحمدية الشريفة؛ فلما أعطي النبي سر القراءة، وقرأ "بالاسم الممدود من حضرة الجود"، اكتملت له المقامات، فكان في الأزل "أحمد"، وتجلى في الأفعال "محمد"، وصار عند الله "محمود". ويا ولدي، إن ثمرة هذه المعرفة وهذا الشهود في حياة السالك هي الطمأنينة الكاملة والرضا بما قسم الله. فمن عرف ربه باسمه الستير العليم، واستند إلى هذا المعراج النبوي، لم تظهر على وجهه تجاعيد الهم أو النكد، بل يفوض أمره لله ويعيش بقلب منشرح، منادياً بلسان الحال والمقال كما أرشدنا الشيخ: "يا عم خليها على الله". وهذا هو حقيقة التوكل الذي يورث الراحة وينفي كدر الحياة. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن القراءة الحقيقية في كتاب الكون أو الوحي لا تنعقد إلا بانسلاخ العبد عن حوله، والتحقق بفقره وضعف طينته أمام نورانية النفخة الإلهية، ليعيش مستوراً باسم الله، راضياً بتدبيره، ومتبرئاً من أي فضل ينسبه لنفسه.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا

أنوار القراءة الأولى ومقام الستر.. رحلة الطينة الغافلة إلى مقامات الشهود | إشارات من القرآن | الشيخ جابر بغدادي