فقه الاحتواء والستر: رسالة الدعاة في محراب الرحمة
فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ ٢١ لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ ٢٢
فقه الاحتواء والستر: رسالة الدعاة في محراب الرحمة
سياق الإشارة
جاءت هذه الآية في سياق تقويم مسار بعض الدعاة المتشددين، حيث يؤصل الشيخ لضرورة التلطف بالعصاة وسترهم واحتواء زلاتهم، مستلهماً الرحمة النبوية كمنهج حياة.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مصححاً مسار الدعوة ومحذراً من التطرف وتصيد الأخطاء: إن الدعوة إلى الله لا تعرف لغة السيطرة أو التسلط، بل عمادها الستر وبسط رداء الرحمة، وذلك مصداق التوجيه الإلهي الصارم: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾. وهذا يؤكد ما أصله الشيخ سابقاً من أن الأمة لا تُبنى بجلد العصاة، بل بانتشالهم. وتأمل بعين بصيرتك يا ولدي كيف طبق الداعية الأكبر ﷺ هذا التنزيل. ففي (صحيح الإمام مسلم بن الحجاج، المتوفى سنة ٢٦١ هـ)، حين أتته المرأة الغامدية معترفة بالزنا قائلة: "طهرني"، لم يمارس عليها سلطة الجلاد، بل مارس دور الأب المحتوي؛ قال لها: «اذْهَبِي حَتَّى تَضَعِي»، تاركاً إياها تسعة أشهر ثم حولين كاملين بلا حراسة! هذا هو الستر المجتمعي والتذكير الرحيم الذي لا سيطرة فيه. ولما لُعنت لقطرة دم طارت منها، غضب النبي المذكر ﷺ وقال مبرزاً كرامتها وخافياً لزلّتها: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ... لَوَسِعَتْهُمْ». وفي مشهد آخر أخرجه الإمام أحمد بن حنبل (المتوفى سنة ٢٤١ هـ، إمام أهل السنة) في (مسنده)، يندفع شاب تشتعل في قلبه نيران الشهوة صارخاً: "صرح لي في الزنا!"، فيزجره الناس بأسلوب "المسيطر"، لكن طبيب القلوب ﷺ يقول: «مَهْ»، ادنُ مني. استخدم فقه الاحتواء بالمحاورة العقلية، ثم ختمها بالكف الحنون النبوي يمسح به على صدر الشاب ليدفئ صقيع شهوته، فخرج الفتى لا يلتفت لشيء. هكذا يكون الداعية رحماً موصولة من رحمة الله، لا رقيباً متصيداً للزلات. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن دور الداعية ينحصر في استمطار سحائب الرحمة على قلوب العصاة بالتذكير اللين، والابتعاد التام عن مقام التسلط أو فضح العيوب، متأسياً بفقه الاحتواء النبوي.
