﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: مِقْصَلَةُ الأَغْيَارِ وَمَقَامُ التَّجْرِيدِ الخَالِص
إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: مِقْصَلَةُ الأَغْيَارِ وَمَقَامُ التَّجْرِيدِ الخَالِص
سياق الإشارة
أوردَ الشيخُ هذه الآيةَ ليضعَ المريدَ أمامَ مرآةِ التوحيدِ الصارمة، كاشفاً لهُ أنَّ التماسَ العونِ الوجوديِّ من المخلوقينَ هو الشركُ الخفيُّ الذي يقطعهُ عن المددِ الإلهيّ.
نص الإشارة
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية، مُصَحِّحاً لِمسارِ السالكِ ومُجرِّداً إياهُ من أوهامِ التعلُّقِ بالسِّوَى: يا ولدي، إنَّ قولَكَ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هو "المِشْرَطُ الرُّوحَانِيُّ" الذي يستأصلُ داءَ الشركِ الخفيِّ من سُوَيْدَاءِ قلبِك.أَمَا عادَ في الخَلقِ مَن يعبأُ بدموعِك؟ اعلمْ يا ولدي أنَّ دمعتَكَ عندَ خالقِكَ غاليةٌ جداً؛ فما إن تناديهِ خاشعاً ومُفرِداً: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، حتى يأتيكَ الغوثُ اليقينيّ في الحديثِ القدسيّ: «هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (أخرجه مسلم في صحيحه).
وقد لفتَ سيدي الإمامُ فخرُ الدينِ الرازيُّ (ت: ٦٠٦ هـ، سلطان المتكلمين) في تفسيره "مفاتيح الغيب" إلى دقيقةٍ بلاغيةٍ سلوكيةٍ هنا؛ وهي أنَّ تقديمَ المفعولِ "إياكَ" يُفيدُ "الحَصْرَ المطلق"؛ ومعناهُ في علمِ التزكية: "نفيُ الشريكِ في التذلُّل، ونفيُ الشريكِ في طلبِ المدد".
يا ولدي، إنكَ حينَ تنطقُ بهذه الآية، فإنَّ اللهَ يقبلُ منكَ الضعفَ البشريَّ، ويستوعبُكَ بجميلِ اللطف، وفي تلكَ اللحظةِ المهيبةِ تُدَكُّ في باطنِكَ "قواعدُ الأغيار"؛ أي تتهاوى أصنامُ الاعتمادِ على (الطبيب، والمال، والصديق، والجاه)، وتصلُ إلى مَقامِ "الفَنَاءِ عن شهودِ السِّوَى"، لِيُعيدَ اللهُ شملَ روحِكَ المشتَّتةِ في الكثرة، وتُروى من أنهارِ الوصلِ الصافي.
وهذا التطبيقُ السلوكيُّ هو عينُ ما حذَّرَ منهُ سيدي الإمامُ ابنُ عطاءٍ السكندريُّ (ت: ٧٠٩ هـ، قطب العارفين) في "الحكم العطائية" حينَ قال: "لا تَرْكَنْ إلى شيءٍ دونَ اللهِ؛ فإنَّ مَن رَكَنَ إلى غيرِ اللهِ، أوكَلَهُ اللهُ إليهِ وخذلَهُ".
فالاستعانةُ يا ولدي ليستْ تلاوةً باللسان، بل هي خُلوعٌ عنِ الحَولِ والقوة، وإلقاءٌ للنفسِ بالكليةِ على عتبةِ المعبودِ الأوحد.
ويُعَدُّ هذا المعنى تتويجاً لِما سبقَهُ من إثباتِ الحمدِ والرحمة، ومِفتاحاً لِفهمِ سِرِّ الكفايةِ الإلهيةِ في الآيةِ الآتية.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أنَّ "إياك نستعين" هي ميثاقُ الشرفِ الروحانيِّ الذي يمنعُ السالكينَ من إراقةِ ماءِ وجوهِهم على عتباتِ المخلوقين، ويُثبتُ لهم أنَّ التجرُّدَ منَ الأسبابِ هو أقصرُ الطُّرقِ لِنيلِ المددِ من رَبِّ الأسباب.
