أسرارُ المـُبايعةِ ومَقامُ النِّيابةِ المـُحمَّديَّةِ في قوله تعالى: إن الذين يبايعونك
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوۡقَ أَيۡدِيهِمۡۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيۡهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١٠
أسرارُ المـُبايعةِ ومَقامُ النِّيابةِ المـُحمَّديَّةِ في قوله تعالى: إن الذين يبايعونك
سياق الإشارة
جاءَ استشهادُ الدكتور جابر بغدادي بهذهِ الآيةِ الكريمةِ في سياقِ إرساءِ قاعدةٍ ذوقيَّةٍ في الأدبِ معَ مَقامِ النُّبوَّة، وتحذيرِ السَّالكينَ منَ السُّقوطِ في داءِ الكِبرِ وسوءِ الأدبِ المـُتخفِّي خلفَ ادِّعاءِ المساواةِ البشريَّةِ بالنَّبيِّ ﷺ.
نص الإشارة
قالَ الشَّيخُ جابر بغدادي في تفسيرِ الآيةِ الكريمةِ، مُؤسِّساً لِمعنىً جليلٍ في مَقامِ المـَظهريَّةِ والنِّيابةِ: إنَّ المتأمِّلَ بـ "عينِ البصيرةِ" في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾، يلحظُ ورودَ أداةِ الحصرِ "إِنَّمَا"، والتي جاءتْ لتُقرِّرَ حقيقةً ذوقيَّةً وتوكيداً مُطلقاً؛ فلم يقلِ الحقُّ سبحانَهُ "كأنَّما"، لِئلَّا يتركَ في ذهنِ السَّالكِ مَجالاً لِلتَّشبيهِ أوِ المـَجاز، بل جعلَ بَيعتَهُم لِذاتِ النَّبيِّ ﷺ هيَ عينُ مُبايعتِهم للهِ تعالى.
ثمَّ يغوصُ الشَّيخُ يا ولدي في أعماقِ النِّصفِ الثَّاني منَ الآيةِ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، ليطرحَ تساؤلاً إشاريّاً يهزُّ أركانَ الفَهمِ السَّطحيِّ: لِمَ عدلَ النَّصُّ عن صيغةِ المـُخاطبِ "فوقَ أيديكم" إلى صيغةِ الغائبِ "فَوْقَ أَيْدِيهِمْ"؟ وأينَ تلاشتْ يدُ النَّبيِّ ﷺ في هذا السِّياقِ؟ والجوابُ الذَّوقيُّ: لقد بايعَ اللهُ بها الخلقَ؛ إذ فنيتْ إرادتُهُ وحظوظُهُ البشريَّةُ في إرادةِ مُرسِلِهِ، فصارتْ كَفُّهُ الشَّريفةُ مَجلىً لِلقَبولِ الإلهيِّ الأتمّ.
ويُوجِّهُ الشَّيخُ هذا الفَهمَ لِتأديبِ النَّفسِ ورَدعِ تلكَ النَّابتةِ الجافيةِ التي يزعمُ أفرادُها بجهلٍ ويقولون: "أنا مِثلي مِثلُهُ، هوَ بشرٌ وأنا بشر!".
فيردُّ الشَّيخُ بلسانِ المـُحقِّقِ المـُربِّي: ويحَكَ! قِفْ أمامَ "مِرآةِ التَّزكيةِ" وانظرْ ماذا فعلتْ بكَ الذُّنوبُ، وإلى أيِّ دَركٍ أهبطتْكَ الغفلةُ والإقبالُ على الدُّنيا؟ ثمَّ طالعْ في المـُقابلِ مَقامَهُ الأسنى؛ كما وصفَهُ الإمامُ الحافظُ أبو هريرةَ الدَّوسيُّ (المتوفى سنة ٥٩ هـ، أحفظُ الصَّحابةِ ومُقدَّمُ رُواةِ الأثر) فيما أخرجهُ الإمامُ التِّرمذيُّ في "جامعهِ الصَّحيحِ، أبواب المناقب، حديث رقم ٣٦٤٨" قائلاً: «مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّمَا الشَّمْسُ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ».
ويُعضِّدُهُ ما رواهُ الإمامُ هندُ بنُ أبي هالةَ التَّميميُّ (المتوفى سنة ٣٦ هـ، ربيبُ بيتِ النُّبوَّةِ ووصَّافِ الحِلْيةِ المـُحمَّديَّة) فيما أخرجهُ التِّرمذيُّ في "الشَّمائلِ المـُحمَّديَّةِ، باب خَلْقِ رسولِ اللهِ، حديث رقم ٧" حينَ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخْمًا مُفَخَّمًا، يَتَلَأَلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ».
وحتَّى لو تَنَزَّلَ المـُربِّي يا ولدي وافترضَ أنَّ وجهَكَ منيرٌ وقسيمٌ يطلبهُ النَّاس، فإنَّ الميزانَ الإشاريَّ يكمنُ في غايةِ التَّوجُّه؛ فوجهُكَ واجهَ الدُّنيا، أمَّا وجهُهُ ﷺ فقد كانَ مَحلَّ التَّجلِّي الأكبر؛ ولهذا قالَ الإمامُ العارفُ باللهِ عبدُ السَّلامِ بنُ مَشيشٍ الحَسَنيُّ (المتوفى سنة ٦٢٥ هـ، قُطبُ أقطابِ التَّصوُّفِ في المـَغرب) في صلاتِهِ المـَشيشيَّة: "وَحِجَابُكَ الأَعْظَمُ الدَّالُّ عَلَيْكَ".
فكيفَ يمدحُ لسانٌ مخلوقٌ وجهاً واجهَ المـَوْلى؟ وكيفَ تُقاسُ عينُكَ المـَحجوبةُ بعينِهِ التي كُحِّلتْ بـ "كُحلِ الشُّهودِ" ورأتْ ربَّها ليلةَ المـِعراجِ؛ كما أثبتهُ الإمامُ الحَبرُ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ (المتوفى سنة ٦٨ هـ، تُرجمانُ القرآن) فيما أخرجهُ الإمامُ مسلمٌ في "صحيحهِ، كتاب الإيمان، حديث رقم ١٧٦"؟ فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أنَّ الحضرةَ المـُحمَّديَّةَ هيَ "بابُ اللهِ الأعظمُ" ومَجلى عُهودِهِ معَ خَلقِهِ، وأنَّ كمالَ التَّوحيدِ والتَّزكيةِ لا يتحقَّقُ إلَّا بالفَناءِ في مَحبَّةِ هذا النَّبيِّ الأكرمِ والتَّسليمِ لِمَظهريَّتِهِ، رَدعاً لِكِبرِ النَّفسِ وأوهامِ مساواتِها بالجَنابِ المـَعصوم.
