العناية الربانية في خواتيم الصحائف وتبديل السيئات
إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٧٠
العناية الربانية في خواتيم الصحائف وتبديل السيئات
سياق الإشارة
جاء سياق كلام الشيخ جابر بغدادي مبشراً ومواسياً للقلوب المنكسرة، موضحاً سعة الكرم الإلهي في شهر شعبان؛ حيث لا يعاملنا الله باستقصاء الزلات، بل ينظر إلى خواتيم أعمالنا بحثاً عن طاعة قريبة تجبر ما مضى.
نص الإشارة
﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ قال الشيخ جابر بغدادي في شرح إشارات هذه الآية الكريمة، مؤسساً لمعنى جليل في فقه الرجاء والتعلق بفضل الله: يا ولدي، إن شهر شعبان المكرم هو الميقات الأعظم الذي تُرفع فيه الأعمال إلى حضرة الله جل جلاله، ومن فيض كرمه وعظيم جوده سبحانه وتعالى، أنه حين تُعرض عليه صحائف العباد، لا يستقصي قراءتها ليحاسب على كل زلة، بل ينظر بعين الرحمة إلى "آخر سطر فيها". وهذا من أعظم تجليات التبديل الواردة في الآية، حيث يُجبر الانكسار ويُبدل الذنب بالطاعة الختامية. وقد أصل سيدنا ومولانا رسول الله ﷺ لهذا المعنى الروحاني الجليل في قوله الشريف: «فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم»، وهو حديث متلقى بالقبول، أخرجه الإمام الحافظ النسائي [ت: ٣٠٣ هـ، ركن من أركان الحديث]. فاعلم يقيناً يا ولدي أن الله لا يلتفت إلى جرائمك السالفة ولا إلى زلاتك المتتابعة بحثاً عن معاقبتك، بل يبحث لك في طيات صحيفتك عن توبة قريبة ومخرج من ذنبك. كأن لسان حال الرحمة الإلهية يتساءل للبحث عن العمل الصالح المبدل للسيئات: ألم يبر هذا العبد بأمه فيقبل يدها؟ ألم يرفع حجراً أو أذى من طريق الناس؟ ألم يكظم غيظاً في قلبه؟ بل إن الصمت ذاته قد يُجعل لك فيه مخرجاً، فنبحث لك بين السطور عن "صدقة صامتة". فإن لم يكظم غيظه وهو قادر على إنفاذه، أو لم يتحمل أذى الخلق، فهل ذرفت عيناه دمعة من خشية الله؟ ألم يحدث نفسه يوماً بعد طول جفاء قائلاً: لقد طال أمد الغفلة وساء الأدب مع الله، فهلم بنا نركع لله ركعتين؟ كأنه سبحانه ينادي ملائكته ليُقرأ آخر سطر في صحيفتك: هل أسعف مسكيناً؟ هل قضى ديناً عن أخيه المسلم؟ لعل عبداً قد أسعف ملهوفاً بعد أن اقترف جناية وجريمة، فيُتجاوز عنه! فلتُوسع يا ولدي في قلبك آمال العطاء، ولتنفسح في روحك رجاءات المغفرة، لأنك ترجو وتتأمل وتؤمل في رب كريم يقلب الموازين بفضله. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن العبرة في صحائف الأعمال بخواتيمها، وأن عين الرضا الإلهي تبحث في طيات زلات العبد عن حسنة واحدة، كدمعة أو لقمة أو كظم غيظ، لتجعلها سبباً في تبديل ظلمات السيئات بأنوار الحسنات ومحو جفاء السنين.
