لطائف الأعداد وجلال التجلي في ليلة الوصل
إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ ١ سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡرِ ٥
لطائف الأعداد وجلال التجلي في ليلة الوصل
سياق الإشارة
يستشهد الشيخ بهذه الآيات ليؤسس لفهم دقيق يعتمد على استنطاق الحروف والأعداد القرآنية، منبهاً القلوب المشتتة إلى أن الوصول إلى أنوار هذه الليلة يتطلب سعياً دؤوباً وتخلية للباطن بطلب العفو قبل التحلية بالتجليات
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية كاشفاً عن الخريطة الروحية المودعة في كتاب الله: إن المتأمل يا ولدي في لطائف الأعداد وأسرار الحروف يجد عجباً؛ فحينما أحصى العارفون حروف كلمة "ليلة القدر" وجدوها تسعة أحرف، وإذا أنعمنا النظر في السورة الكريمة نجد أن الكلمة ذاتها قد تكررت ثلاث مرات، والناتج من ضرب الثلاثة في التسعة هو سبعة وعشرون. وهذا سر من أسرار الإشارات التي التقطها حبر الأمة وترجمان القرآن الإمام عبد الله بن عباس (ت 68هـ، الصحابي الجليل والمفسر الملهم)، حين سُئل عن ليلة القدر فأجاب بلطيفة مبدعة قائلاً: "أظنها ليلة السابع والعشرين"، مستدلاً بأن السورة تتألف من ثلاثين كلمة، وأن الضمير ﴿هِيَ﴾ في قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ يقع في الترتيب السابع والعشرين.
ويستطرد الشيخ مبيناً جلال التجلي في مطلع السورة، حيث استخدم الحق نون العظمة في ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾، فما دام المتكلم عظيماً جل جلاله، فلا ريب أن المنزَّل عظيم، وقد استغنى الحق بجلال حضرته عن التصريح بلفظ "القرآن" واكتفى بالضمير، في إشارة إلى كمال القرب وشرف التنزيل. ولتدرك هذا العطاء يا ولدي، تأمل توجيه سيدي رسول الله ﷺ حين أرشد أمته للبحث عنها بلفظ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ» وفي رواية «التمسوها»، وهو ما أخرجه الإمام البخاري (ت 256هـ، أمير المؤمنين في الحديث) في "صحيحه" (كتاب فضل ليلة القدر، باب تحري ليلة القدر، حديث رقم 2017). فهذا الالتماس ليس بحثاً عابراً، بل هو سعي واستفراغ للوسع. ويتأكد هذا حين سألت أم المؤمنين وفقيهة نساء الأمة السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق (ت 58هـ) عما تقوله في تلك الليلة، فأجابها النبي ﷺ في الحديث الذي أخرجه الإمام الترمذي (ت 279هـ، صاحب الجامع الصحيح) في "سننه" (كتاب الدعوات، حديث رقم 3513) وقال: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي»، فكأنه يهمس في روحها أن أعظم ما يُتقرب به هو العفو، وأن تكون عَفُوًّا في ذاتك لتنال عفو مولاك. ويحذرنا الشيخ من قسوة القلب والنزاع الذي يحجب هذا النور، مستدلاً بما أخرجه الإمام البخاري في "صحيحه" (حديث رقم 2023) حين خرج النبي ﷺ ليخبر أصحابه بليلة القدر: «فَتَلاحَى فُلانٌ وفُلانٌ، فَرُفِعَتْ»، مبيناً مآل الجدل وكيف يحرم الأرواح من فيض اليقين.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن كلام الله لا تنقضي عجائبه، وأن بلوغ أنوار ليلة القدر يتطلب تصفية الباطن من النزاعات، والتعلق بطلب العفو الإلهي، واليقين بأن سعي القلب شرط لنيل عطايا الرب جل جلاله.
