Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/إشارات من القرآن/صيحةُ الافتقارِ في البرزخِ وإشراقةُ الإمهالِ في اسمِ اللهِ الحي
سورة المؤمنُون - الآية ٩٩، ١٠٠التزكية

صيحةُ الافتقارِ في البرزخِ وإشراقةُ الإمهالِ في اسمِ اللهِ الحي

هذه إشارة مستفادة من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
سورة المؤمنُون، الآية ٩٩، ١٠٠
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ ٩٩ لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كـَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٠٠
١ / ٢

صيحةُ الافتقارِ في البرزخِ وإشراقةُ الإمهالِ في اسمِ اللهِ الحي

سياق الإشارة

جاءَ استشهادُ الشيخِ بهذهِ الآيةِ في سياقِ التحذيرِ المشفوعِ بالشفقة، لينبّهَ المريدَ إلى خطورةِ تضييعِ الأنفاسِ في ميادينِ الغفلة، واضعاً ميزانَ الفرصةِ الممنوحةِ للإنسانِ في مطلعِ العامِ الجديدِ قبلَ فواتِ الأوان.

نص الإشارة

قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية، كاشفاً عن الغطاءِ الباطنِ لسرِّ الإمهالِ الإلهيِّ ومحذّراً من رقدةِ الغافلين: إنَّ العبدَ يا ولدي حينَ يطوي من عمرهِ عاماً ليفتحَ آخر، لا ينبغي لهُ أن يمرَّ على الأيامِ مرورَ البهائمِ على الكلأ؛ فإنَّ مولاكَ -جلَّ جلاله- حينَ أبقاكَ إلى هذا الصباح، فقد تجلَّى عليكَ باسمهِ الشريفِ 'الحيِّ'، ليعطيكَ وثيقةَ عبورٍ جديدةً نحو 'فضاءِ المشاهدة'.
وتأمَّلْ معي يا ولدي في صرخةِ هذا المفرّطِ حينَ يعاينُ الحقيقةَ الكبرى؛ فإنَّهُ لا يصرخُ طالباً الرجوعَ إلى الدنيا ليأكلَ أو يشربَ أو يبنيَ القصور، بل يصرخُ بلسانِ الافتقارِ المحضِ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾؛ إنَّهُ يطلبُ 'فرصةَ وجودٍ روحيّ' لعلَّهُ يستشرفُ بها حياةَ اسمِ اللهِ الحيِّ ويعيشُ في معيَّةِ مولاه.
ولكنَّ الردَّ الإلهيَّ يأتيهِ بقانونِ العدلِ الصارم: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾، وكأنَّ لسانَ العتابِ الأقدسِ يقولُ له: لقد اختبرناكَ في دارِ المهلة، فما منحناكَ فرصةً واحدةً، بل عشتَ ستينَ عاماً، غيرَ أنَّكَ بظلمةِ الغفلةِ حوَّلتَ سنيَّكَ البسيطةَ إلى كبيسةٍ مثقلةٍ بالأوزار، فماتَ قلبكَ عن الخشوع، وماتَ لسانكَ عن الذكر، وظللتَ تموتُ في المعنى السلوكيِّ لحظةً تلوَ الأخرى، حتى غدوتَ وأنتَ على قيدِ الحياةِ 'قبراً يَمشي في قبر'! وهذا المعنى يا ولدي هو الذي يوضحهُ الإمامُ أبو حامدٍ الغزاليُّ (المتوفى سنة ٥٠٥ هـ، حجةُ الإسلامِ ومجددُ علومِ الدين) في ربعِ المهلكاتِ من كتابهِ 'إحياء علوم الدين'، حينَ بيَّنَ أنَّ موتَ القلوبِ بالغفلةِ أشدُّ من موتِ الأبدانِ بمفارقةِ الروح.
فلا تكنْ يا ولدي من جملةِ الموتى وأنتَ تلبسُ ثيابَ الأحياء، واستثمرْ نَفَسَكَ القادمَ بالذكر؛ فإنَّ النبيَّ قد جعلَ الفرقانَ بينَ الوجودِ والعدمِ في قولهِ: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ كَمَثَلِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ» (أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب فضل ذكر الله عز وجل، حديث رقم ٦٤٠٧).
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أنَّ الأنفاسَ الممنوحةَ للإنسانِ في كلِّ إشراقةِ شمسٍ هي تجلٍّ لاسمِ اللهِ 'الحيِّ'؛ فمن لم يُحيِ وقتهُ بالخروجِ من غفلةِ النفسِ إلى شهودِ الربّ، كانَ في حكمِ الموتى، وصارتْ كلمتهُ عندَ طلبِ التداركِ محضَ أمنيةٍ يقطعها برزخُ الحقيقة.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا