فضاء المشاهدة: شهود العناية الأزلية في حفظ الأنبياء
وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ١٥٧ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٥٨
فضاء المشاهدة: شهود العناية الأزلية في حفظ الأنبياء
سياق الإشارة
أورد الشيخ هذا القصص القرآني لبيان كيف يُرَوِّض الحق سبحانه قلب حبيبه المصطفى ﷺ على شهود العناية الربانية، ليُعزيه ويُثبته أمام مكائد الكفار باستحضار نجاة سيدنا عيسى عليه السلام.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الآية مبيناً أسرار العناية الربانية ومقامات المشاهدة: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾.
يا ولدي، حينما خاطب الله نبيه المصطفى ﷺ مبشراً إياه بأنه مأمور بالهجرة كمن سبقه، أراد أن يدرب القلب النبوي الشريف بالمشاهدة على "أزلية الأولية" في حياة الأنبياء.
فجاءه بقصة أخيه روح الله سيدنا عيسى عليه السلام، حين اجتمعت الجماعة، وعقدوا ندوة كيدهم قائلين: "نخلص عليه".
ولكن، هيهات هيهات أن يغلب مكر العبيد تدبير المجيد! جاء الرد الإلهي القاطع: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾.
ويوم يصف ربنا جل وعلا هذا المشهد، يقول في آية أخرى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾.
وهذا يؤكد ما أصله الشيخ سابقاً في تفسير سورة الأنفال؛ لقد مكروا ليقتلوا عيسى، ومكر الله لينجيه! مكروا ليثبتوه في الأرض، ومكر الله ليرفعه إليه في السماء! بهذا المشهد الجليل، تعزى رسول الله ﷺ بما حدث في روح الله، واستقر في وجدانه الطاهر العقيدة الراسخة بأنه لا يستطيع أحد من العالمين كائناً من كان أن يمس بسوء عبداً أوى إلى كنف الله وحماه.
ولما جاء التعبير بالمضارع ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾ ليدل على أن مكائد أهل الباطل "شغالة" ولم تنقطع، عاد قلب المصطفى مستنداً إلى ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، فعلم يقيناً أن الله لا يخذل عبداً التجأ إليه أبداً.
وهذا هو عين التصوف السني المعتمد الذي أرسى قواعده سيدي الإمام أبو حامد الغزالي (المتوفى سنة 505 هـ، حجة الإسلام وطبيب القلوب)، حيث بين أن غاية السلوك هي التبرؤ من الحول والقوة والركون إلى حفظ الحي القيوم.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن مكر أعداء الحق هو في حقيقته مطية لرفعة أولياء الله، وأن العبد إذا احتمى بكنف مولاه، حالت العناية الربانية بينه وبين سهام الخلق، فاستحال الموت حياةً، والصلب رفعة.
