أسرار الإيتاء الرباني ومقامات التحول من المعصية إلى الولاية
قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٦
أسرار الإيتاء الرباني ومقامات التحول من المعصية إلى الولاية
سياق الإشارة
جاء استشهاد الشيخ بهذه الآية الكريمة في سياق المواساة الروحانية وبث اليقين في القلوب المنهكة، ليرسخ عقيدة تفويض الأمر لله تعالى، محذراً إياهم من الركون إلى الأسباب المادية، ومبيناً طلاقة القدرة الإلهية في تغيير الأحوال.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مبدداً غياهب اليأس ومؤسساً لمعنى جليل في التوكل والتسليم: تأمل يا ولدي في قول الحق تبارك وتعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ﴾، فانظر بقلب البصير كيف قال جل جلاله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾ ولم يقل ""تؤتي من الملك"". وهذا ليس مجرد تفاوت لفظي عابر، بل ليدلك دلالة قاطعة على تمام الفيض وعظيم العطاء الإلهي، فالملك كله له سبحانه، يعطيه بغير حساب ولا نقص. فسبحانه من إله عظيم كريم؛ قد تبيت ليلك عاصياً غافلاً، قد أثقلتك الذنوب والهموم، فيتداركك بلطفه الخفي الساري، ويوقظك في الصباح ولياً من أوليائه المجتبين، وليس ذلك من شأنك أو من تدبيرك المحدود، بل هو محض فضله. وقد ترقد يا بني مهموماً جائعاً، وقد أُغلقت في وجهك الأبواب، لا تدري من أين يأتيك الرزق، ولا كيف تُحل عقدة كروبك المستعصية، فيحلها المولى بتدابير لطفية وأسرار علوية تفوق إدراك العقول القاصرة. ""يدبر أمري ولا علم لي، وهو حسبي ونعم الوكيل"". وعد يا بني إلى دقة اللفظ القرآني في قوله: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ ولم يقل ""المَلِك"" فحسب؛ لتعلم حق اليقين أن هذا الكوكب بأسره، وهذا الكون الفسيح بما حوى، إنما هو ملكية خالصة لله عز وجل. فكيف يتصرف فيه جل وعلا؟ استمع بخشوع إلى قوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ﴾، فقد عبر بالإيتاء ولم يقل ""تُعطي""؛ لأن الإيتاء في لغة القوم عطاء رباني بغير حساب، عطاء يتجاوز عالم الأسباب المادية الخانقة التي تأسركم وتضيق عليكم واسعاً، فهو القائل: ﴿وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾. فبربك يا ولدي، من ذا الذي يقدر أن يعطل خيراً هو في يد الله؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يسلبه أو يحبسه عنده؟ أيا قوم، أنقرأ القرآن حق تلاوته ونتدبر إشاراته أم هجرناه؟ أنذكر ربنا في الخلوات والجلوات أم نسيناه؟ إن السر المكين في قوله ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ لا يتوقف عند مجرد العطاء المادي، فقد تملك النعمة والمال والصحة، ولكنك تعجز عن الانتفاع بها إن لم يصاحبها التوفيق، ولذا أردفها بقوله الشافي: ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن العطاء الإلهي مطلق لا تقيده أسباب أو أوقات، وأن العبد متى أسقط تدبيره في تدبير مولاه، أفاض عليه من خزائن ملكه، وأبدل عسرته يسراً، ومعصيته ولايةً، بفضل من بيده مقاليد الخير كله.
