صدقة الأعراض: أسمى مراتب الإنفاق وبلوغ مقام الإحسان
لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٩٢
صدقة الأعراض: أسمى مراتب الإنفاق وبلوغ مقام الإحسان
سياق الإشارة
استحضر الشيخ هذه الآية ليسلط الضوء على أرقى أنواع الإنفاق؛ وهو إنفاق حظوظ النفس والتنازل عن الكرامة الشخصية بالتسامح والعفو، كما فعل صحابي رسول الله في غزوة تبوك.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مبرزاً أسمى مراتب العطاء والتزكية التي ترتفع بالسالك إلى مقام الإحسان: يا ولدي، إن النفوس الضعيفة قد جُبلت على حب المال والمتاع الظاهر، ولكن العارفين أدركوا ببصائرهم أن هنالك ما هو أغلى وأحب إلى نفس الإنسان من أموال الدنيا بأسرها؛ ألا وهو كرامته، وحظ نفسه، وعرضه الذي يغار عليه وينتصر له.فلما نزل قول الحق تبارك وتعالى مشترطاً لبلوغ مقام البر أن ننفق مما نحب ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، فَقِهَ أصحاب القلوب الصافية أن التخلي عن الانتصار للذات الموهومة هو أوج مراتب الإنفاق الصادق في سبيل الله.
ويستدل الشيخ بمثال حي من مشكاة السيرة النبوية المطهرة؛ حين ندب سيدنا ومولانا رسول الله ﷺ أصحابه للصدقة والنفقة في غزوة تبوك.
فمضى أحد الصحابة الكرام يطوف في زوايا بيته باحثاً عن درهم أو متاع يجود به، فلم يجد شيئاً يملكه.
وهنا تتجلى حقيقة التزكية في أبهى صورها؛ فقد وقف هذا الصحابي في جنح الليل يناجي ربه بانكسارٍ وصدق، متنازلاً عن أغلى ما تملكه النفس البشرية قائلاً: "اللهم إنك تعلم أني فقير كما ترى ولا أجد ما أتصدق به، اللهم إني تصدقت بعرضي على كل من سبني، وعلى كل من آذاني، وعلى كل من شتمني".
فكان هذا التصدق بحظ النفس أغلى عند الله من قناطير الذهب، ولما أسفر الصبح، بشره النبي ﷺ بقبول صدقته في النفقات.
ويؤكد الشيخ أن هذا التنازل الاختياري عن الأنا هو مقام الطهارة الذي أخبر عنه المصطفى في حديثه الشريف (كما أخرجه ابن ماجه في سننه، أبواب الزهد، برقم 4216): «أَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ مَخْمُومُ الْقَلْبِ صَدُوقُ اللِّسَانِ».
ولما سألوه عن مخموم القلب، بيّن أنه القلب التقي النقي: «الَّذِي لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا حَسَدَ».
فالبر الحقيقي يبدأ من مسامحة العباد، وتفريغ القلب من الغل، والتعرض لنفحات الصالحين لتلين القلوب القاسية بنور وعظهم وإذن تعبيرهم، فتسجد النفوس لخالقها متخلية عن هواها.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن أعظم ما يقدمه السالك في طريق الله ليس إنفاق الدراهم والدنانير فحسب، بل إنفاق الأحقاد من صدره، والتصدق بعرضه ومسامحة من آذاه، ليبلغ بذلك حقيقة البر وطهارة القلب المخموم.
