العطاء الرباني لمن تخلى عن حظوظ النفس
وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ ٣٥
العطاء الرباني لمن تخلى عن حظوظ النفس
سياق الإشارة
ركز الشيخ على دقة اللفظ القرآني في هذه الآية، ليثبت للمريد أن القدرة على العفو ليست شطارة شخصية، بل هي منحة إلهية وعطاء رباني يلقاه الصابرون.
نص الإشارة
﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية ومؤكداً على المعنى الجليل الذي أصله في الآية السابقة، ملتقطاً درة بلاغية وروحانية من اللفظ القرآني: تأمل معي يا ولدي دقة التعبير الإلهي؛ فإن ربنا جل جلاله حين عقب على مقام السماحة والعفو البليغ، لم يقل 'وما ينالها'، بل قال ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾. وهناك فرق شاسع في لغة القوم بين النيل والتلقي. النيل يوحي بسعي العبد واستحقاقه الذاتي، أما 'التلقي' فهو يعني العطاء المحض، الهبة، والمنحة التي تتنزل على قلب المريد دون استحقاق منه، بل هي محض فضل وكرم من الله. إنك لا تستطيع أن تعفو بجهدك الذاتي، بل أنت 'تتلقى' هذا العفو كهدية ربانية مكافأة لك على تخليك عن حظوظ نفسك وصبرك على أذى الخلق. إنه الحظ العظيم والولاية الكبرى التي يكسو الله بها قلوب الصابرين. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن مقامات الإحسان لا تُنال بمجرد المجاهدة البدنية، بل تُتلقى كمواهب إلهية تتنزل على القلوب التي صبرت على كسر شهواتها وتنازلت عن رغبتها في الانتقام.
