سر حبل الوريد وحقيقة الحجاب الحاجز للقلوب
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ ١٦
سر حبل الوريد وحقيقة الحجاب الحاجز للقلوب
سياق الإشارة
جاء استشهاد الشيخ بهذه الآية الكريمة في سياق الإجابة عن تساؤل محوري حول كيفية الوصول إلى معية الله، مصححاً الفهم الخاطئ بأن الله بعيد يحتاج لقطع مسافات، ومبيناً أن العقبة الوحيدة للسالك هي حُجُب النفس الأمارة وغفلتها.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مصححاً لفهم السالكين ومبرزاً لمعنى المعية الحق: يا ولدي، إن من أعظم الأسئلة التي تعتلج في قلب المريد الصادق هو: كيف أكون مع الله؟ وقد يعتقد البعض أن الوصول يفتقر إلى قطع مسافات أو أفعال بدنية مجردة عن حضور القلب، فيأتي الجواب الإلهي القاطع ليؤسس عقيدة القرب المطلق.
إن الحق جل جلاله لا يحتاج إلى جهدنا ليكون معنا، فهو سبحانه أقرب إلينا من "حبل الوريد".
وهذا الحبل كما يوضح الشيخ هو سر الحياة المادية النابضة، فإذا كان هذا العرق المتصل بقلبك قريباً منك إلى هذا الحد، فاعلم يقيناً أن الله الذي يحييك هو المتجلي عليك، وهو أقرب إليك بعلمه وإحاطته وقيوميته.
ولكن، يتساءل المريد بلسان الحال: ما دام ربي بهذه القربى، فما الذي يمنعني من شهوده؟ ولماذا لا أبصر أنوار قربه؟ وهنا يضع الشيخ يده على الداء العضال، مبيناً أن الحجاب ليس مسافة حسية يمكن طيها، بل هو "النفس".
اقرأ يا ولدي وتأمل الإشارة في قوله: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾، فهذه النفس بأهوائها، ورعوناتها، وعُجبها هي العائق الأوحد.
وقد عبر الشيخ عن ذلك بتشبيه طبي بليغ وفريد؛ فكما أن أطباء الأبدان يطلقون على العضلة الفاصلة في الجوف اسم "الحجاب الحاجز"، فإن أطباء القلوب، كسيدي الإمام أبي حامد الغزالي (المتوفى سنة ٥٠٥ هـ، حجة الإسلام ومحيي علوم الدين)، يقررون أن نفسك التي بين جنبيك هي "الحجاب الحاجز" الحقيقي الذي يمنع تجلي أنوار الله على قلبك بالحياة الروحية.
فالحل يا ولدي ليس في البحث عن إله غائب، بل هو في ترويض هذه النفس ومجاهدتها، مصداقاً لما نطق به العارفون وأهل الذوق: "دع التلفت ترى، دع ما سوانا ترانا، لا تنشغل بالورى، واشهد مليكك لما وفّاك حين اشترى".
ولو أنك فككت رمز حرف "القاف" في سورة ق، لأدركت أن الخلاص يكمن في قهر النفس وتزكيتها؛ لتترقى من أمارة بالسوء إلى لوامة ثم إلى مطمئنة ترضى بقضاء الله، وذلك بصدق التوجه وصحبة الصادقين كما يؤصل أئمة التصوف السني المعتمد.
فالله هو القريب، ولكنك أنت المحجوب بوهمك ونفسك.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن القرب الإلهي متحقق أزلاً بعلم الله وإحاطته بعبده، وأن العائق الوحيد للسالك عن شهود هذا القرب هو حُجُب النفس ورعوناتها، مما يوجب على المريد دوام المجاهدة والتزكية لرفع هذا "الحجاب الحاجز" وبلوغ مقام الإحسان والشهود.
