سر الانكسار ومفتاح الانتصار في ميادين القلوب
وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢٣
سر الانكسار ومفتاح الانتصار في ميادين القلوب
سياق الإشارة
جاءت هذه الآية الكريمة في سياق حديث الشيخ عن التلازم الروحاني العجيب في شهر رمضان بين الانتصار على العدو والانكسار لله، مؤسساً لقاعدة نورانية تفيد بأن ذل العبودية الصادق هو البوابة الكبرى للعز والتمكين.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الآية مؤصلاً لمعنى جليل في طريق السلوك، ومبرزاً سر المعادلة الروحية للانتصار: يا ولدي، إن الله تبارك وتعالى حين يذكر أهل بدر، فإنه يربط نصرهم بحالة قلبية محددة وهي قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾. وهذا الذل هنا ليس ذل المهانة للخلق، بل هو ذل الانكسار والخضوع التام بين يدي الخالق جل جلاله. إن شهر رمضان هو شهر تتجلى فيه هذه المعاني؛ فهو يشهد انتصار الإنسان على حظوظ نفسه الأمارة، وانكساره المطلق إلى الله، ومن هذا الانكسار بالذات تتأتى وتتنزل عوامل النصر. لقد انتصر الصحابة الكرام على أنفسهم وشهواتهم أولاً، فصارت نفوسهم في غاية ذل الخضوع لجلال الله، وبذلك الانتصار الداخلي، أورثهم الله الانتصار الخارجي على أعدائهم. ويتجلى هذا الانكسار الممزوج بكمال الحب في صور شتى، أروعها ما نقله لنا الإمام البخاري (ت: ٢٥٦ هـ، أمير المؤمنين في الحديث) في صحيحه، كتاب المغازي، عن الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف (ت: ٣٢ هـ، أحد أركان الشورى)، حين وقف بين غلامين حدثين هما معاذ ومعوذ، وكل منهما يجذبه ليسأله بلهفة المحب الذي ذل قلبه في غرام نبيه: "يا عم أين أبو جهل؟". فلما سألهما عن غايتهما، أجابا بيقين: "سمعنا أنه يسب رسول الله ﷺ". فلما أشار إليه، انقضا عليه كالصقور وأردياه من فرسه. إن هذا الحب العارم تفجر من طفولة بريئة، هيأ جلال الرحمة فيها مساحة نقية للدفاع عن جناب المصطفى، فكان هذا العمل الخالص ثمرة من ثمار ذلك الذل المحمود لله ولرسوله. وفي أوقات الشدائد، يعلمنا هذا الانكسار ألا ننسى أبداً سلاح الدعاء. فالدعاء في حقيقته هو حالة روحية ينتصر فيها الإنسان على تعلقه المحض بالأسباب، لعلمه الكامل واليقيني أن مسبب الأسباب بيده كل شيء. ولما اختمر هذا الذل في بحر الحب عند سيدنا رسول الله ﷺ يوم بدر، أثمر مقاماً علياً يُعرف بمقام "الدلال"، فتراه ﷺ يناجي ربه مناجاة العبد المفتقر المدلل ويقول كما ورد في صحيح مسلم (كتاب الجهاد والسير): «اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض». فلا يجرؤ أحد على هذا الخطاب العالي إلا من بلغ دلاله قمة التذلل والانطراح على عتبات الألوهية. واعلم يا ولدي أن هذا المعنى لم ينقطع بانتهاء زمان الصحابة، فميدان بدر ممتد، ومقاماته مفتوحة؛ فالمعلم الذي يدرس في مدرسته ويخلص في عمله متجرداً لله، هو في حقيقته يعيش حالة "بدرية" في زماننا، فنحن لا ننساه أبداً حين نتحدث عن هذه المقامات. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن النصر الحقيقي يبدأ من ميدان النفس، فبقدر انكسارك وافتقارك وخضوعك بين يدي الله وتخليك عن كبريائك، بقدر ما تتنزل عليك أنوار التأييد والتمكين في كل معارك حياتك المادية والروحية.
