فك عقدة الإصرار والتخلية لاستقبال الأنوار
وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٣٥
فك عقدة الإصرار والتخلية لاستقبال الأنوار
سياق الإشارة
وضع الشيخ قاعدة روحانية صارمة محذراً من موانع التجلي الإلهي، ومبيناً أن استدامة المعصية وكبرياء النفس والشحناء تقف سداً منيعاً أمام نفحات العفو في مواسم المغفرة.
نص الإشارة
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال الشيخ جابر بغدادي في توجيه معاني هذه الآية الكريمة، محذراً ومبيناً موانع الفيوضات في مواسم التجلي: وما هذه الليالي الغراء والمواسم المباركة إلا نفحات وكرائم ربوبية، تنجلي بأنوارها على الضعفاء والفقراء والمساكين من عباده، أولئك الذين قد تضيق بهم سبل التوبة، أو تعجز ألسنتهم عن الاستغفار. ولكن، احذر يا ولدي أن يعطل هذا التجلي عليك أمران خطيران، وهما ذاتهما اللذان نبهت عليهما الآية الكريمة: الإصرار والاستكبار؛ فقد جاء الاستثناء من هذا الفضل النبوي الشريف لكل مشرك ومشاحن، مصداقاً لما ورد في الأثر عن الإمام الطبراني [ت: ٣٦٠ هـ، مسند الدنيا]: «يطلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن». فالنداء الرباني في رفع الأعمال ينادي الملائكة: هاتوا أسماء المذنبين، لعل مُصراً قد انحلت في قلبه "عقدة الإصرار"، فله العفو! فمن رام نظرة العفو والرضوان، فليحلل من قلبه عقدة الإصرار على الذنوب، وليتزين بالتواضع، وليتجرد قليلاً من كبرياء نفسه وشحنائها. فيا حسرة على من ضيعت حظوظ نفسه الهوى حظوظاً إلهية كبرى ومنحاً ربانية عظمى! فاعلم يا ولدي أن هذه العطايا إنما أُعدت للقلوب الحنونة المنكسرة، والأيادي الكريمة السخية، والجفون السيالة بالدموع في الأسحار. ووالله، قد تنجيك من لجة الذنوب الغارقة التي انغمست فيها، مساهمة يسيرة لا تلقي لها بالاً، شرط ألا تكون مصراً على الذنب؛ دمعة ذُرفت من حنين أو شوق إلى الله، أو لقمة وضعتها في فم جائع، أو كلمة طيبة جبرت بها خاطراً مكسوراً. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن العبد قد يظلم نفسه بالمعاصي وتتراكم عليه الذنوب، بيد أن أعظم حاجز يمنع وصول رحمات الله إليه هو "الإصرار" والتكبر عن الرجوع؛ فمتى انحلت هذه العقدة بالتواضع وسلامة الصدر، فاضت عليه أنوار المغفرة دون حساب.
