سعة أبواب الجنة وتنوع مقامات الوصول
إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا ٣٥
سعة أبواب الجنة وتنوع مقامات الوصول
سياق الإشارة
سيق هذا التفسير في سياق المواساة والتهوين على القلوب المشتاقة التي حُرمت من زيارة النبي ﷺ أو فاتها الوقوف بعرفات هذا العام، لبيان أن فضل الله واسع ولا يُحصر في شعيرة بعينها، وأن طرق الوصول إلى الله تتعدد بتعدد استعدادات القلوب.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مصححاً مفهوماً ضاق بعقول الكثيرين: لا ينبغي للمسلم أن يُقيد أبواب القبول والنجاة في باب واحد ويعتقد أن الجنة محصورة فيه؛ فإن شقّ عليك الصيام فباب الصدقة مفتوح، وإن تعذرت عليك الصدقة فباب الصبر والخشوع متاح. وهذا ما تؤكده الآية الكريمة، إذ أن الحق سبحانه وتعالى حين عدّد مراتب الناس وتنوع طاعاتهم من إسلام وإيمان وقنوت وصبر وصدقة وصيام، لم يفرق في الجزاء النهائي، بل جعلهم جميعاً مندرجين تحت مظلة واحدة ونتيجة واحدة: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.
ويؤكد الشيخ على هذا المعنى الجليل الذي تشير إليه الآية الكريمة مستشهداً بأحاديث سيدنا المصطفى ﷺ؛ فالجنة ليست صعبة كما يظن القانطون، والوصول لا يشترط فيه تعذيب النفس، بل قد يكون في عمل يظنه الناس يسيراً. ألم يبلغك يا ولدي قصة الرجل الذي نال المغفرة والرضوان بشربة ماء؟ حيث قال الحبيب ﷺ: «بينا رجل يشتد عليه العطش... فنزل بئرا فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث... فسقاه، فشكر الله له، فغفر له» (صحيح البخاري، كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء، حديث رقم ٢٣٦٣). هذا الرجل وجد بابه في سقي كلب، وآخر قد يجد بابه في كف أذاه عن الناس، مصداقاً لقوله ﷺ: «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ» (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، حديث رقم ١٠).
وكأن الله سبحانه وتعالى من خلال هذه الآية وتلك الشواهد يقول لك: لا تحزن يا عبدي إن فاتك بابٌ من أبواب الطاعة، فأبواب الوصول كثيرة ومشرعة. فقط ابحث عن مظلتك، واندرج تحت لواء يناسب حالك، واجعل "الذكر" هو الخيط الناظم والروح السارية في كل أعمالك، كما ختمت الآية: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، لترتقي علاقتك بخالقك من ضيق العجز إلى سعة الرجاء والمحبة.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن تعدد العبادات ما هو إلا تعدد لأبواب رحمة الله، وأن المسلم مطالبٌ بالبحث عن الباب الذي يُشرق فيه قلبه ليلج منه إلى ربه، دون أن يحتقر من الأعمال شيئاً ولو كان كفَّ أذىً أو سقي بهيمة.
