أسرار المكر الإلهي المحمود وتبديد وهم سحر التعطيل
وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٣٠
أسرار المكر الإلهي المحمود وتبديد وهم سحر التعطيل
سياق الإشارة
استشهد الشيخ بهذه الآية الكريمة ليواسي بها القلوب المضطربة، ويحذر من الوقوع في غياهب الغفلة بتصديق خرافة "سحر التعطيل"، مؤسساً لقاعدة عقدية راسخة بأن كيد البشر مهما بلغ فهو مقهور تحت طلاقة القدرة الإلهية.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الآية مبرزاً مقام التوكل واليقين في مواجهة مكائد الخلق: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
يا ولدي، أتظنون أن ربنا جل جلاله قد أسلم عباده لعباده؟ أو أنه ترك مملكته لتصاريف الخلق وأهوائهم؟ حاشا لله.
إن بعض الناس في زماننا قد تاهت بصائرهم، فباتوا يرتجفون من كيد البشر، ويقولون بلسان الغفلة: "عايزين يشيلوك من منصبك، عايزين يفرقوا بينك وبين أهلك، عايزين يتعدوا عليك".
بل ويتمادون في غفلتهم حتى ينسبوا للهوان سلطاناً فيقولون: "عاملين لي سحر تعطيل".
يا بني، من هؤلاء الذين يملكون أن يعطلوا أمر الله؟ إن هذا التعطيل المزعوم ما هو إلا تجلٍّ قاصر لمعنى ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾، ولكنه في الحقيقة أوهى من حفنة تراب تذروها الرياح.
فإذا اجتمعوا لإيذائك، فلا تخف من أحد، بل ضع هذا القانون الإلهي أمام عينيك.
إنهم يقدرون أن يفكروا في قتلك فحسب، ولكن الحق ينادي روحك قائلاً: نحن الذين أعطيناك سر الحياة، وما من مخلوق في الوجود يعرف أن ينزعها غيري، وأنا الذي أعطيتك الرزق، فلا يملك أحد أن يعطله سواي.
فإذا ردهم الله إلى فعل ذلك ليمكروا بك ظاهراً، فاعلم يقيناً أنه سلكهم في مراد إرادته، وسيحيط بهم بلطفه الخفي، فيجعل من مكرهم ذاته نجاةً لك.وهذا المعنى يتوافق تماماً مع ما قرره سيدي الإمام ابن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة 709 هـ، قطب العارفين وصاحب الحكم) حين قال: "سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار".
فلا تدبير يعلو فوق تدبير الخالق، ولذلك جاء الختام الإلهي القاطع: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
وما يندى له الجبين أسفاً أن مواقع التواصل الاجتماعي امتلأت بمثل هذا الدجل، حتى وثق الناس بها ونسوا اليقين بالله.
إياك يا ولدي أن تردد هذا الوهم، فالأمر كله لله.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن شهود المكر الإلهي المحمود يورث القلب طمأنينة مطلقة، فلا يرى السالك في الكون فاعلاً إلا الله، وتتلاشى أمام بصيرته كل أوهام السحر والتعطيل ومكائد البشر.
