سر الإذن الإلهي: حقيقة السحر والنجاة بمعية المُسَبِّب
وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٢
سر الإذن الإلهي: حقيقة السحر والنجاة بمعية المُسَبِّب
سياق الإشارة
ساق الشيخ هذه الآية الكريمة ليصحح مفاهيم العوام حول سطوة الأسباب المادية كالسحر والأذى، مؤصلاً لعقيدة التوحيد الصافية التي ترد كل فعل في الكون إلى إذن الله ومشيئته وحدها.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مصححاً لفهم خاطئ تسلل إلى قلوب الكثيرين ممن غلبهم الخوف من الأسباب وسلطتها: إن من كمال الأدب مع أسماء الله الحسنى ألا يُفرد العبد اسم الله "الضار" بالذكر أبداً دون أن يُقرن باسم "النافع"، فيكون "النافع" كنعت ملازم لـ "الضار".
ولعلك تسأل يا ولدي بحيرة المشتاق: لِمَ هذا التشديد في اللفظ والاعتقاد؟ فأقول لك بلسان أهل المعرفة: لكي تدرك يقينياً وتتذوق أن هذا الكون العظيم له رب قاهر يعلو فوق كل شيء، وأن هذه المملكة المترامية لها مدير حكيم يصرف شؤونها بالعدل والرحمة.
وتأمل يا ولدي بعين البصيرة في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فالهاء في قوله "بِه" تعود إشارةً إلى ما سبق بيانه في صدر الآية الكريمة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.
فقد بيّن الحق سبحانه أن هؤلاء القوم كانوا حاذقين في الكفر غاية الحذق، ومتمكنين من ألاعيب السحر تمكناً شديداً، ولكن الحقيقة الكبرى التي يغفل عنها المحجوبون بالغفلة، هي أن هذا السحر، أو أي أذى دنيوي، وإن كان له وجود وسار تأثيره وجرى في مقدرات حياتك، فما هو في ميزان أهل التوحيد إلا محض "فعل السبب للسبب".
ولا يتجاوز العبد هذا الوهم إلا إذا صحب "المُسَبِّب" جل جلاله وفني عن الأسباب المادية؛ وكما أشار سيدي حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي (المتوفى سنة ٥٠٥ هـ، مجدد علوم الدين وإمام التزكية) إلى ضرورة إسقاط رؤية الأغيار وتجريد التوحيد.
فمن لاذ بالله تحصن، ومرد هذا المعنى الجليل يكتمل في الآيات التي تليها، لتطمئن القلوب أن مقاليد الأمور كلها بيد الله وحده.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن الأسباب المادية، مهما تعاظمت واشتد كيدها كالسحر والأذى، تظل مسلوبة الإرادة والتأثير الذاتي، ولا تنفذ إلا بإذن الله، مما يوجب على السالك أن يعلق قلبه بالمُسَبِّب وحده لينجو من وهم الخوف والتعلق بالمخلوقين.
