نداء الجواد في ليالي الوصال وسر إغلاق أبواب النيران
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ ١٨٦
نداء الجواد في ليالي الوصال وسر إغلاق أبواب النيران
سياق الإشارة
جاء كلام الشيخ في سياق التوجيه الروحي لاستقبال أول ليلة من شهر رمضان، محذراً من الغفلة عن نداء السماء، ومبيناً سعة الجود الإلهي الذي يسبق العمل.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث الشريف الذي يبين فضل أول ليلة من رمضان، مؤسساً لمعنى جليل يتصل بسر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾؛ ففي أول ليلة من رمضان تتجلى أنوار اسم الله "الجواد"، وتُفتح أبواب الجنان فلا يُغلق منها باب. ويلفت الشيخ الانتباه البلاغي الإشاري إلى لفظ النبي ﷺ في الحديث الذي أخرجه الإمام الترمذي (ت: 279 هـ، إمام الحفاظ وصاحب الجامع): «غُلِّقَت أبواب النيران»، بالتشديد والمبالغة، ولم يقل "أُغلقت"؛ وفي ذلك مبالغة في العطف والرحمة الربانية، ليمنحك الحق -عز وجل- ثلاثين يوماً فرصة للتوبة السريعة حتى وإن زلت بك القدم. ويتعجب الشيخ متعتباً على المريد المفرط: يا ولدي، كيف يغلق الله عنك باب النار بفضله، ثم تسعى أنت لتفتحه على نفسك بسوء اختيارك! ويستطرد الشيخ في ربط هذا المشهد الروحاني بنداء السماء في الحديث الذي أخرجه الإمام الحاكم (ت: 405 هـ، محدث نيسابور وصاحب المستدرك): «ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل»، وهذا النداء الرباني هو عين الاستجابة المطلوبة في الآية الكريمة: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾. ويتساءل الشيخ لإثارة الانتباه: "الإقبال سيكون على مَن؟". ليعقبها بالجواب الشافي: إن صح الإقبال منك في أول ليلة، صح لك القبول. ويبين الشيخ أن من تمام هذا الإقبال ومبادلة الجود بالشكر أن نغلق نوافذ الملهيات من هواتف وشاشات، ونُخرج السبحة والمصحف، لنستعد لاستمداد الأنوار. ويضرب الشيخ مثلاً بليغاً بحال أهل زمان من الصالحين؛ كيف كانت قلوبهم طاهرة تقتات على الحلال ولا تتجرأ على محارم الله، فكانت أرواحهم صافية تسمع نداء المنادي، وكانت بيوتهم وشوارعهم تستنير بوهج هذا النداء، قبل حتى أن يشرعوا في صيام أو قيام. وهذا يؤكد ما أصله الإمام ابن عطاء الله السكندري (ت: 709 هـ، تاج الدين وقطب العارفين) في حِكمه من أن العطايا الإلهية قد تسبق الأعمال بمحض الفضل. فمن كرائم اسم الله الجواد أن تبدأ جوائز العتق من النار من أول ليلة دون سابقة عمل منا. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن القرب الإلهي في رمضان يتجلى في نداء "يا باغي الخير أقبل"، وهو دعوة لشهود كرم "الجواد" الذي يعتق الرقاب من النار بمحض الفضل قبل أن توفى الأجور، وأن الاستجابة الحقيقية تكمن في طهارة المطعم وصدق الإقبال القلبي.
