فقه الهداية ونفي الإكراه: تجليات الرحمة المحمدية في الفتوحات
لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦
فقه الهداية ونفي الإكراه: تجليات الرحمة المحمدية في الفتوحات
سياق الإشارة
ساق الشيخ هذا المعنى الجليل وهو ينفي عن الجهاد الإسلامي شبهة السلب والإكراه، موضحاً من خلال زواج النبي ﷺ بالسيدة جويرية أن الغاية العظمى للمصطفى وصحابته كانت هداية القلوب لا استعباد الأبدان أو الاستيلاء على الأموال.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مصححاً لبعض الأفهام السقيمة حول الفتوحات، ومؤسساً لمعنى جليل في فقه القلوب: اعلم يا ولدي أن الغيرة العمياء إذا استحكمت في النفوس هتكت أواصر الأخوة وقطعت حبال الإرادة بين السالكين، ولكن حين تشرق شمس المحبة النبوية الخالصة، تتلاشى كل حظوظ النفس وتذوب الأنا. وقد تجلى هذا السر العظيم في غزوة بني المصطلق عند ماء "المريسيع"، حين وقعت السيدة "جويرية بنت الحارث" في الأسر. فقد روى أئمة العلم والسير، ومنهم الإمام أبو داود رحمه الله (ت: ٢٧٥ هـ، إمام أهل السنة وصاحب السنن) في سننه (كتاب العتق)، تفاصيل هذا المشهد المهيب. فلما جاءت السيدة جويرية إلى رسول الله ﷺ، تطلب منه أن يضمنها ويعينها في فداء ومكاتبة نفسها، تجلت الرحمة المهداة والسياسة الشرعية العلوية؛ إذ لم يعاملها ﷺ كأسيرة، بل قال لها بنبرة تفيض نبوة وكرماً: «ألا أدعوك إلى خير من ذلك؟... أن أتزوجك». وهنا يا ولدي يبرز التفسير العملي والإشاري لانتفاء الإكراه في دين الله ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾؛ فالصحابة الكرام، بمجرد سماعهم بنسب النبي ﷺ الجديد ومصاهرته لقومها، تسابقوا إلى عتق مائة أهل بيت من الأسرى، متنازلين عن غنائمهم وحقوقهم حباً وكرامة لرسول الله ﷺ. وتنازلت السيدة الطاهرة عائشة رضي الله عنها عما فُطرت عليه النساء من غيرة، إكراماً لهذا المقام المحمدي وضرباً من ضروب الحب الخالص. يؤكد الشيخ هنا قاعدة ذهبية، وهي أن هؤلاء الرجال الأطهار ما سلوا سيوفهم قط ليسرقوا أموال العباد، وما حاربوا يوماً ليرغموا أحداً على اعتناق الإسلام، مصداقاً للسر القرآني العظيم في نفي الإكراه. بل كانت حركاتهم وسكناتهم محكومة بحكمة ربانية أبعد من مستوى الأشباح ونظرات القاصرين، يعملون بالسياسة النبوية الشريفة التي نص عليها الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري رحمه الله (ت: ٢٥٦ هـ، أمير المؤمنين في الحديث) في صحيحه (كتاب الجهاد والسير): «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم». فالفوز بأسرة مسلمة وبطفل ينبض قلبه بكلمة التوحيد، أحب إليهم وأعظم بركة من ديارهم وأموالهم وكنوز الدنيا بأسرها، ولذلك وصفوا السيدة جويرية بأنها أعظم امرأة بركة على قومها. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن الدين الخاتم لم يُنشر بسطوة السيوف ولا بإكراه الأبدان، بل باستمطار الرحمات وتأليف القلوب بالمصاهرات والفضائل، وأن المحبة الصادقة للمصطفى ﷺ هي الكفيلة بتحرير النفوس من شحها، والارتقاء بها من طلب الغنائم الدنيوية إلى الفرح الخالص بهداية الخلق إلى الله.
