سر اقتران الرضا والوقوف بين اللطيف والشريف
يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِيُرۡضُوكُمۡ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ ٦٢
سر اقتران الرضا والوقوف بين اللطيف والشريف
سياق الإشارة
ساق الشيخ جابر بغدادي هذه الآية الكريمة في مَعْرِض حديثه عن أسرار الصلاة على النبي ﷺ لتفريج الكروب، مؤكداً أن العبد الضعيف لا يضيع بين خالقه اللطيف ونبيه الشريف، ومبيناً أن التماس رضا الله لا ينفك عن التماس رضا رسوله.
نص الإشارة
﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مُبرزاً سرّاً جليلاً من أسرار طريق التزكية والسلوك: إنك متى وقفت لتصلي على النبي ﷺ فقد وقفت في حضرة عظيمة بين حبيبين؛ وقفت بين ربٍّ "لطيف" ونبيٍّ "شريف"، ولن يضيع العبد "الضعيف" بين "لطيف" و"شريف". يا ولدي، تأمل كيف قرن الحق سبحانه وتعالى رضاه برضا نبيه في هذه الآية العظيمة، فلم يقل (أحق أن يرضوهما) بالتثنية، بل أفرد الضمير فقال ﴿يُرْضُوهُ﴾. وهذا ما أشار إليه الإمام أبو عبد الله القرطبي (المتوفى سنة 671 هـ، إمام المفسرين ومحقق التراث) حين أوضح أن رضا الرسول هو عين رضا الله، فصارا في حكم الرضا الواحد المتلازم. يا بني، لقد أوضح الشيخ أن من أخطأ باب الصلاة على النبي فقد ضلّ طريق النجاة، مصداقاً لما ورد في الحديث الشريف: «أخطأ طريق الجنة من نسي الصلاة علي» (سنن ابن ماجه، أبواب إقامة الصلاة والسنة فيها). فإذا تكالبت عليك الدنيا، وهاجمتك "جيوش الهم" وصارت عليك كالعصابة من فقر ومرض ونكد، فاعلم أن سلاحك الأمضى هو تفجير أنوار الصلاة على النبي ﷺ في قلبك. وهذا يوافق تماماً ما قرره سيدي ابن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة 709 هـ، تاج الدين وقطب العارفين) في حِكمه بأن الفضل كله لله والمِنّة له وحده، فإذا وجدته سبحانه قد حلّ عقدة لسانك وأولاك سبحة الصلاة على نبيه، فاعلم أنه يريد أن يرحمك ويُدخلك في زمرة السعداء والأولياء؛ فالتوفيق لا يكون إلا لمن أراد الله به خيراً. ولا يكتمل هذا المقام يا ولدي إلا باليقين التام بوعد الصادق المصدق القائل لمن جعل دعاءه كله صلاةً عليه: «إذن تكفى همك، ويغفر لك ذنبك» (سنن الترمذي، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع). فالصلاة على النبي هي الوضوء الباطني الحقيقي الذي يطهر الروح لتتصل بخالقها. وكيف لا، وهي تجلب تجلي المتجلي الأكبر، مصداقاً للحديث الصحيح: «من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشراً» (صحيح مسلم، كتاب الصلاة). فحينها، كما يعبر الشيخ، تقف كل حسابات الوجود ساجدة أمام طلاقة القدرة الإلهية التي تفرج الكرب وتكشف الغم إكراماً للجناب النبوي الشريف. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن رضا الله ورسوله مقام تشريعي وروحي واحد لا يتجزأ، وأن الإكثار من الصلاة على النبي بيقين هو المفتاح الأعظم لنيل هذا الرضا، وبه تتنزل أنوار التجليات التي تبدد جيوش الهموم وتشفي أمراض القلوب.
