خطورة الكلمة وحرمة مجالس المشايخ والأولياء ورثة الأنبياء
وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ ٦٥ لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٦٦
خطورة الكلمة وحرمة مجالس المشايخ والأولياء ورثة الأنبياء
سياق الإشارة
ساقه الشيخ للتحذير الشديد من إطلاق اللسان بالسخرية أو الاستهزاء بالعلماء والأولياء وحملة القرآن وصحابة رسول الله، مبيناً أن الطعن فيهم هو طعن فيمن ينتسبون إليه، ومسلطاً الضوء على خطورة الكلمة التي قد تهوي بصاحبها في مهاوي الردة والهلاك.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية، مؤسساً لمعنى جليل ومحذراً من غفلة عظيمة تورد المهالك: إن لحوم العلماء والأولياء مسمومة، لا يقتصر سمها على الأكل بالغيبة، بل إن مجرد "شمها" يورث المرض الروحي، وشمها هنا يفسره الشيخ بأنه سوء الظن بهم.
وهذا المرض عند أولياء الله هو الحجاب الأكبر عن الحضرة، فلو لم يصبك من أذيتهم سوى أن تُحرم من بركة محبتهم لكفاك به خسراناً وحرماناً، يا ولدي.
ثم يغوص الشيخ في أعماق السيرة النبوية ليستخرج لنا منها دليلاً قاطعاً على خطورة حصائد الألسن، فيسرد ما رواه الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في غزوة تبوك، حينما تجرأ رجل من المنافقين في مجلسه فأطلق لسانه بالاستهزاء قائلاً: ""ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء، يأكلون ولا يشبعون، ويتكلمون فيكذبون، وعند اللقاء يجبنون"".
فانتفض الغيورون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإبلاغ الجناب النبوي.
وما إن بلغ الأمر النبي الأكرم حتى غضب غضباً شديداً، ليتنزل الوحي الفوري حاسماً وقاطعاً في سورة التوبة بـ ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، مبيناً أن الاستهزاء بحملة القرآن هو استهزاء بالقرآن ذاته وبمن أنزله وبمن أُنزل عليه.
ويصور الشيخ مشهداً يهز القلوب، حين هرول ذلك الرجل ليعتذر، متشبثاً بفرس النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي سائر لا يلتفت إليه، والرجل يرجو ويقول: ""والله كنت أنا ما قلتش ما كنتش قاصد""، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يزيده على تلاوة حكم الله القاطع المانع ولم يقبل منه العذر.
وهنا يتساءل الشيخ تساؤل العارف بمرامي النصوص: هل ذكر هذا الرجل في استهزائه الله أو آياته أو رسوله صراحة؟ يجيب الشيخ موضحاً دقة الميزان الإلهي: إن هؤلاء القراء والصحابة هم ""ملحقون"" بالجناب النبوي، ومحسوبون على حضرته، وهم حملة كلام الله، فالطعن فيهم مساسٌ بالمنبع الصافي.
ويحذر الشيخ من الكلمة الملقاة على عواهنها، مشبهاً إياها بالطائر الذي يفلت من ثقب الإبرة فلا سبيل لإعادته، ومؤكداً هذا المعنى العميق بما صح عن المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه: «إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في النار سبعين خريفاً» (أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد، برقم 2314).
فالكلمة تولد صغيرة ثم تتعاظم حتى يعجز المرء عن تدارك ذنبها.
ولأن حماية مقام الصحابة والأولياء جزء لا يتجزأ من الإيمان، يورد الشيخ جابر الأحاديث النبوية التي تسيج هذا المقام الشريف بهالة من القدسية، فيستشهد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أورده (الإمام الحافظ سليمان بن أحمد الطبراني، المتوفى سنة 360 هـ، صاحب المعاجم الثلاثة) في معجمه الكبير: «من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (برقم 10474)، وقوله المنيع: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» (أخرجه الطبراني، برقم 10448).
ثم يترنم بأبيات من الشعر الرائق تأكيداً على منهج أهل السنة والجماعة في محبة الآل والأصحاب، قائلاً: ""إني أحب أبا حفص وشيعته...كذا أحب عتيقاً صاحب الغار.
وقد رضيت علياً قدوة علماً...ما رضيت بقتل الشيخ في الدار.
كل الصحابة ساداتي ومعتقدي...وما عليَّ في هذا القول من عارٍ"".
ليختم الشيخ توجيهه بضرورة جمع القلوب على محبة أهل البيت والصحابة معاً، فنحن نسكن في سفينة أهل البيت، وهذا الحب يجمع ولا يفرق.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن حفظ اللسان عن أولياء الله وحملة دينه هو صمام الأمان للإيمان، وأن الاستهانة بمقاماتهم والطعن فيهم هو في حقيقته طعن في المنهج الرباني الذي يمثلونه، مما يستوجب سخط الله والطرد من رحمته ولو كان ذلك على سبيل المزاح واللعب.
