سر الفرق بين الإعطاء والإيتاء في جبر الخواطر المنكسرة
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ ٨٧
سر الفرق بين الإعطاء والإيتاء في جبر الخواطر المنكسرة
سياق الإشارة
جاء استشهاد الشيخ بهذه الآيات في سياق بيان أعظم مواساة وجبر للخواطر، ليوضح كيف يعزي الله نبيه وعباده المحبين بكلامه القديم حين يتكالب عليهم أذى الخلق وظلمهم القاسي.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية كاشفاً النقاب عن سر من أسرار العطاء الإلهي: يا ولدي، إن الله جل جلاله حين يعزي العبد في عداوة عبد آخر، وحين يجبر قلب المحب المنكسر، فإنه يمنحه أعظم العطايا الروحية. وتأمل كيف عزّى الحق سبحانه وتعالى حبيبه المصطفى ﷺ في بلاء الكون، وفيمن ظلمه وآذاه، وكذبه وعصاه، بل وقال عنه ""ساحر"" و""أبتر""؛ أنزل عليه مواسياً: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾. ولك أن تتساءل يا ولدي وتتفكر في لطائف التنزيل، لماذا قال الحق هنا ﴿آتَيْنَاكَ﴾، بينما قال في سورة الكوثر: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾؟ يوضح الشيخ هذا المعنى الدقيق قائلاً: إن كلمة ""أعطيناك"" تفيد التمليك، ففي الكوثر جعل الله هذا النهر ملكية خاصة للحبيب المصطفى، أما القرآن الكريم فهو كلام الله القديم الذي ليس بمخلوق، فلا يُملك، ولذا قال ""آتيناك"" أي منحناك ما لا يمكن أن تملكه ويفيض عن حدود قدرة المخلوقات. وعندما تواجه ظلم الخلق وتكالبهم عليك، اقرأ الفاتحة (السبع المثاني) وقل بيقين: ""رب أنا رضيت بعطيتك"". فالقرآن يا ولدي هو جنة العارفين وملاذ المظلومين، كما نقل الشيخ مستشهداً بمقولة الإمام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ، شيخ الإسلام وأحد أئمة الحنابلة المتبحرين) الموثقة في كتاب (الوابل الصيب من الكلم الطيب) لتلميذه ابن القيم: ""أنا ماذا يفعل بي أعدائي، إن جنتي وبستاني في صدري، إن معي كتاب الله"". فإذا شعرت بأن كلام الله يسكن بين حشاياك وطواياك، ويجري عذباً على لسانك، فاعلم علم اليقين أن الله يداوي جرحك ويعزيك في بليتك بأعظم ما يمكن أن يؤتاه عبد. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن القرآن الكريم بوصفه كلام الله القديم غير المخلوق، هو أعظم جبيرة ربانية لقلوب المحبين والمظلومين، وأن من ملأ كلام الله صدره فقد سكن جنة معجلة لا يقوى على سلبها منه أحد من العالمين.
