الإيثار
وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٩
الإيثار
سياق الإشارة
ساق الشيخ هذه الآية في معرض استنهاض همم السالكين لإكرام المحتاجين، وجعل كل مسكين ضيفاً على رسول الله ﷺ، لبيان أن العطاء الحقيقي هو ما كان خالصاً للمحبة دون انتظار للجزاء، كما فعل الرعيل الأول.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية كاشفاً عن الخريطة الروحية للإيثار، ومبيناً أن هذه الآية لم تنزل في مجرد إنفاق فضل المال، بل نزلت في مقام "التخلية والتحلية" حين يكون العطاء مبنياً على المحبة المحضة للجناب النبوي. يا ولدي، تأمل معي ذلك المشهد العظيم الذي أخرجه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري المتوفى سنة ٢٥٦ هـ في صحيحه بكتاب مناقب الأنصار برقم ٣٧٩٨، حين نادى الحبيب ﷺ في أصحابه: «مَنْ يُضِيفُ هَذَا؟»، فكانت الاستجابة من ذلك الأنصاري المحب لا تخرج من تدبير العقل، بل من اندفاع الروح العاشقة التي ترى في أمر رسول الله ﷺ غاية المراد.
لقد وقف هذا الصحابي مع زوجته في مواجهة امتحان "الخصاصة" (وهي شدة الحاجة والجوع)، فلم يكتفيا بتقديم الطعام للضيف، بل قدما درساً في المروءة حين قال لزوجته: "هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك". إن إطفاء السراج هنا -يا ولدي- ليس مجرد حيلة مادية ليوهموا الضيف بأنهما يأكلان معه، بل هو إطفاء لنور حظوظ النفس وأنانيتها، ليشتعل بدلاً منه نور الإيثار والمحبة في قلوبهما. ولهذا، حين باتا طاويين على الجوع، أشرقت أرواحهما بنور التجلي، فجاء البشارة النبوية: «لَقَدْ ضَحِكَ اللَّهُ -أَوْ قَالَ عَجِبَ اللَّهُ- مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ». ويوضح الشيخ جابر بغدادي أن "الضحك والعجب" المنسوب للحق سبحانه، في سياق تنزيه أهل السنة والجماعة ومناهج العارفين، هو نزول الرحمات والفيوضات، ورضوان يغمر الأرواح قبل الأجساد.
والسر الأكبر في هذه الآية، كما يؤكد الشيخ، أن هذا الصحابي الجليل فعل ما فعل بدافع "المحبة المحضة" وامتثالاً لنداء الحبيب، دون أن يكون على علم مسبق بوعد الآية أو ثوابها، بخلافنا اليوم؛ نحن نعمل ونحن نعلم الجزاء ونطمع في الثواب الوارد في قوله تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ﴾، أما هم فكان المحرك الأوحد لهم هو عشق رسول الله ﷺ وإكرام ضيفه، وهذا هو عين الإخلاص وذروة سنام الفتوة والمروءة.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن الإيثار الحقيقي لا يقاس بحجم العطاء، بل بصدق المحبة والتجرد من حظوظ النفس، وأن تفريج كربات الخلق إكراماً لرسول الله ﷺ هو أقصر الطرق لاستجلاب الرضا الإلهي وتجليات الرحمة من فوق سبع سماوات
