مقام التوله المحمدي: الأسرار العقدية والذوقية في قوله تعالى 'ووجدك ضالا فهدى'
وَوَجَدَكَ ضَآلّٗا فَهَدَىٰ ٧
مقام التوله المحمدي: الأسرار العقدية والذوقية في قوله تعالى 'ووجدك ضالا فهدى'
سياق الإشارة
جاء استشهاد الشيخ بهذه الآية في سياق الدفاع الحار عن عصمة الجناب النبوي الشريف، والرد على من يفهمون لفظ 'الضلال' في حق النبي ﷺ على أنه كفرٌ أو تيهٌ قبل البعثة.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية، كاشفاً عن سرٍّ من أسرار الحقيقة المحمدية يغسل القلوب من أدران الفهم السطحي: إياك يا ولدي أن تزلَّ قدمك فتعتقد أن قوله تعالى لحبيبه ﷺ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ يعني ضلال التيه أو الجاهلية؛ فإن أنبياء الله معصومون في فطرهم قبل البعثة وبعدها.
بل المعنى الإشاري هنا، والذي يؤكده ما أصله الشيخ سابقاً في تفسير سورة يوسف، هو 'ضلال التَّوَلُّهِ والمحبة'؛ أي: وجدك يا محمد شديدَ الحبِّ لله، غارقاً في التعلق بذاته الأقدس، قد تركتَ الكُلَّ لأجل الله، فلم تعد تطلبُ، ولا تعشقُ، ولا تهوى في الدارين غير الله؛ فهداك الله إلى أقصى غايات الوصول والشهود.
ويستطرد الشيخ مبرزاً وجهاً إشارياً آخر في غاية البلاغة، وهو تعدية الفعل بالحرف؛ أي: 'ووجدك الضالُّ فاهتدى بِكَ'.
فالضالُّ هنا ليس الحبيب ﷺ، بل هو 'الإنسان الحائر في ظلمات الشرك والوثنية'، فلما أشرقت شمس النبوة، اهتدى هذا الوجود بـه! ويشهد لهذا المعنى ما قرره سيدي الإمام ابن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة 709 هـ، قطب العارفين وصاحب الحِكم اللدنية)، من أن الله تعالى ينسب الهداية لنفسه خلقاً وإيجاداً، ويجعل حبيبه المصطفى ﷺ واسطتها العظمى؛ فصار ﷺ هو 'الهادي الموصِّل'، وصار الوجود كله عيالاً على نوره في الاهتداء إلى الصراط المستقيم.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: تنزيه المقام النبوي عن الشك والحيرة، وإثبات أن النبي ﷺ كان في أزلِ فطرته هائماً بحب ربه، وأن هداية الخلائق منوطةٌ بالتعلق بسنته ونوره.
