Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/إشارات من القرآن/﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: مِفْتَاحُ المُكَالَمَةِ العُليَا وَسِرُّ الخُرُوجِ مِن سِجْنِ الوَحْدَة
سورة الفَاتِحة - الآية ٢التزكية

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: مِفْتَاحُ المُكَالَمَةِ العُليَا وَسِرُّ الخُرُوجِ مِن سِجْنِ الوَحْدَة

هذه إشارة مستفادة من كلام الشيخ في سياق موضوعي موثق.
سورة الفَاتِحة، الآية ٢
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢
١ / ٤

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: مِفْتَاحُ المُكَالَمَةِ العُليَا وَسِرُّ الخُرُوجِ مِن سِجْنِ الوَحْدَة

سياق الإشارة

طرحَ الشيخُ جابر بغدادي هذه الآيةَ في مَطلعِ حديثهِ لِينتشلَ المريدَ المُنكفئَ على جراحاتِهِ داخلَ غرفتِهِ المظلمة، مُنبِّهاً إياهُ إلى أنَّ الشكوى الدائمةَ للبشرِ هي التي أورثتْهُ كمدَ الاكتئاب، ومُوجِّهاً إياهُ لفتحِ خطِّ الاتصالِ المباشرِ مع رَبِّ الوجود.

نص الإشارة

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية، مُؤسِّساً لِمعنىً سلوكيٍّ جليلٍ يمسحُ على قلبِ المكروب: يا ولدي، إنَّ قولَكَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ليسَ مجردَ لفظٍ تجري بهِ شفاهُكَ في غمرةِ العادة، بل هو في شريعتِنا وحقيقتِنا "عقدُ مناجاةٍ ومكالمةٌ عُليا" مبرمةٌ بينَ العبدِ ومولاه.
انظرْ يا ولدي إلى حالِكَ حينَ أغلقتَ عليكَ بابَ غرفتِك، واعتصرَكَ كمدُ الوحدةِ وأنتَ تصرخُ في صمتِك: "لا أحدَ يفهمني، ولا أُذنَ في هذا الوجودِ تسمعُ أنيني"؛ إنَّ آفتَكَ الكبرى هنا أنكَ اعتدتَ أن تتكلمَ للبشرِ فلا يسمعُكَ أحد، واعتدتَ في غفلتِكَ أن تتكلمَ ولا تُنصت، حتى خُيِّلَ إليكَ في سكرةِ وجعِكَ أنَّ هذا الكونَ الممتدَّ بلا رَبٍّ يُدبِّرهُ ويحنو عليه! فإذا وقفتَ بينَ يديِ اللهِ ونطقتَ بالحمد، فاصمتْ هنيئةً، ومارسْ أدبَ الإنصاتِ الباطنيّ؛ لأنَّ هناكَ في الملأِ الأعلى مَن يردُّ عليكَ فوراً، مصداقاً للحديثِ القدسيِّ الصحيحِ الذي أخرجَهُ الإمامُ مسلمُ بنُ الحجّاجِ (ت: ٢٦١ هـ، إمام المحدثين) في "صحيحه" (كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة): «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ...فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي».
وتأمَّلْ معي ما أصلَهُ سيدي الإمامُ أبو جعفر الطبريُّ (ت: ٣١٠ هـ، إمام المفسرين) في "جامع البيان"، حينَ بيَّنَ أنَّ وصفَ اللهِ بـ "ربِّ العالمين" هو تقريرٌ لِهيمنتهِ وقيُّوميَّتِهِ المطلقةِ على كلِّ ذرةٍ في الوجود؛ فإذا استقرتْ هذه الحقيقةُ في سِـرِّك، وأدركتَ أنَّ لكَ رَبّاً يُدبِّرُ عوالِمَ النملِ في باطنِ الأرضِ وعوالِمَ الأفلاكِ في أعالي السماء، فكيفَ تشعرُ بعدَ ذلكَ باليُتمِ أو تدَّعي أنكَ متروكٌ للوحشة؟ إنَّ الحمدَ يا ولدي هو المِفتاحُ الذي يكسرُ أقفالَ "النفسِ الأمارةِ بالسوء"، ويُنقلُكَ من ضيقِ الاعتمادِ على الأسبابِ، إلى سعةِ شهودِ رَبِّ الأسباب.
ويُعَضِّدُ هذا المعنى ما سيأتي بيانهُ في الآياتِ اللاحقةِ من ذاتِ السورةِ الشريفة.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أنَّ "الحمدَ" هو الترياقُ السلوكيُّ الذي يُحوِّلُ انتباهَ العبدِ من جفاءِ المخلوقينَ وانقطاعِهم، إلى حفاوةِ الخالقِ ومعيَّتِهِ القيُّومِيَّة، فمَن شهدَ رَبَّ العالمينَ في صلاتِهِ، استحالَ عليهِ أن يعيشَ سجينَ الوحدة.

ويمكنك مشاهدة الفيديو بالكامل من هنا