﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: تَجَلِّيَاتُ اللُّطْفِ الإِلَهِيِّ وَشِفَاءُ القَلْبِ مِن طَلَبِ المَحْمَدَة
ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: تَجَلِّيَاتُ اللُّطْفِ الإِلَهِيِّ وَشِفَاءُ القَلْبِ مِن طَلَبِ المَحْمَدَة
سياق الإشارة
انتقلَ الشيخُ إلى هذه الآيةِ لِيُعالجَ جرحاً غائراً في نفسِ المريدِ الذي يبكي لِجحودِ البشر، مُوجِّهاً إياهُ إلى أنَّ ثناءَ الحقِّ عليهِ في الملكوتِ الأعلى يغنيهِ عنِ انتظارِ كلمةِ شكرٍ من مخلوقٍ فانٍ.
نص الإشارة
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية، مُنَبِّهاً المريدَ إلى داءٍ باطنيٍّ خفيٍّ يُعَكِّرُ صفوَ سُلوكِه: يا ولدي، انظرْ إلى بديعِ اللطفِ الإلهيِّ حينَ تعقُبُ تقريرَ الربوبيةِ بقولِك: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ فما إن تنطقَ بها حتى يُباهي بكَ الحقُّ جلَّ جلالُهُ ملائكتَهُ في الملأِ الأعلى قائلاً: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي»، كما نصَّ على ذلكَ الحديثُ القدسيُّ الذي أخرجَهُ الإمامُ مسلمٌ (ت: ٢٦١ هـ، إمام المحدثين) في "صحيحه".
وهنا يضعُ الشيخُ يدهُ على موضعِ الألمِ في "النفس اللوامة"؛ فأنتَ يا ولدي تأتيني باكياً وتشتكي في حُرقة: "لقد شكرتُ كلَّ الناسِ فما قدّروني، وبذلتُ الخيرَ للقاصي والداني فما شكرني منهم أحد"؟ فاسمعْ يا ولدي إلى هذا التوجيهِ الإلهيِّ الأقدس: اسمعْنا ونحنُ نُعلنُ في الملكوتِ: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي»، فنحنُ وحدَنا الذينَ نعرفُ حقيقةَ ما صنعتَ، ونحنُ الذينَ نُجازيكَ عليه! ويُبيِّنُ لنا سيدي الإمامُ أبو عبد الله القرطبيُّ (ت: ٦٧١ هـ، شيخ المفسرين) في "الجامع لأحكام القرآن" حينَ فسَّرَ هذه الآية، أنَّ تكرارَ صفتيِ الرحمةِ بعدَ "ربِّ العالمين" هو أمانٌ لِقلبِ العبدِ المُنكسر؛ يُشعِرُهُ بأنَّ المهيمنَ على الأكوانِ يعاملُهُ بصفةِ الجمالِ والوُدّ، لا بصفةِ الجبروت.
يا ولدي، إنَّ حزنَكَ على عدمِ تقديرِ الناسِ لكَ هو كشفٌ لِمرضِ "حُبِّ الظُّهورِ والرياء" المخبوءِ في طيَّاتِ نفسِك؛ فلو كنتَ تعملُ للغنيِّ المطلق، لَـمَا التفتَّ إلى شُكرِ الفقيرِ العاجز.
إنَّ هذه الآيةَ تُطهِّرُ سِـرَّكَ من طلبِ العِوَضِ الدنيويّ، وتُعَمِّقُ فيكَ مَقامَ "الإخلاص".
وهذا المعنى يتَّصلُ اتصالاً وثيقاً بما أصلَهُ الشيخُ في الآيةِ السابقةِ من شهودِ القيُّوميَّة، ويُمهِّدُ لِمَقامِ التجريدِ الآتي.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أنَّ اسميِ "الرحمن الرحيم" هما مِكْيَالُ الجَمالِ الإلهيِّ الذي يمسحُ جراحاتِ المظلومين، ويُعلِّمُ السالكينَ أنَّ كلمةَ ثناءٍ واحدةً منَ الخالقِ في السماء، تبتلعُ كلَّ جحودِ أهلِ الأرض.
