الصيام مدرسة التحرر الأكبر والفرار من فتنة المنقوش والمنفوش
سَيَقُولُ لَكَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ شَغَلَتۡنَآ أَمۡوَٰلُنَا وَأَهۡلُونَا فَٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَاۚ يَقُولُونَ بِأَلۡسِنَتِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ ضَرًّا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ نَفۡعَۢاۚ بَلۡ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرَۢا ١١
الصيام مدرسة التحرر الأكبر والفرار من فتنة المنقوش والمنفوش
سياق الإشارة
جاء استشهاد الشيخ بهذه الآية في سياق بيان حقيقة الصيام ومقاصده العظمى، محذراً من الركون إلى قيود الجسد ومتع الدنيا، ومؤسساً لقاعدة صوفية جليلة مفادها أن كمال العبودية لله يورث العبد التحرر المطلق من كل ما سواه، ضارباً المثل الأكمل بحال النبي ﷺ.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مبحراً في أسرار التجريد، ومصححاً لمفاهيم العبودية والحرية التي التبست على الكثيرين: اعلم يا ولدي أن العبادة ليست مجرد حركات تؤدى، بل هي مقامات تُعاش، فالله يُتعبد بعبادة العبيد الذين يرجون الثواب ويخافون العقاب، ويُتعبد أيضاً بعبادة الأحرار الذين تحرروا من حظوظ أنفسهم ولم يشهدوا في الكون سوى المعبود. والصيام يا ولدي هو بحق "مدرسة الحرية"، ففيه يتجلى نجاح المصطفى ﷺ في تحقيق كمال العبودية الذي أورثه كمال التحرر المطلق. ويبرز الشيخ هذا المعنى الجليل متأملاً في أحواله ﷺ، وكيف صار أجود من الريح المرسلة كما جاء في الحديث الجليل: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان... فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة» (أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، برقم ٦). فهذا العطاء المنهمر لمن لا يخشى الفقر هو عين الحرية! وكيف فارق أهله وشد مئزره، مصداقاً لما روته السيدة عائشة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله» (أخرجه البخاري، كتاب صلاة التراويح، برقم ٢٠٢٤)، فتركُ الفراش والأهل حرية، وقيامه من الليل حتى تتورم قدماه هو قمة التحرر. وهنا يتساءل الشيخ متعجباً ليلفت انتباه المريد: "طب وإيه الحرية في تورم الأقدام؟"، ليجيب إجابة العارفين: إنها حالة من الانعتاق التام، حيث ترقى الروح فلا يعود الجسد يشعر بآلامه، لقد نسي الطين ثقله أمام تجليات النور! ويغوص الشيخ في إشارة أعمق، مصححاً فهماً قاصراً حول سهو النبي ﷺ في صلاته. فبينما يظن العوام أن السهو غفلة، يرى أهل الله، كما أصل لذلك الإمام ابن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة ٧٠٩هـ، قطب التصوف وصاحب الحكم العطائية) في معنى الاستغراق، أن سهو النبي لم يكن انشغالاً بالدنيا، بل يقول الشيخ: "السهو لا يكون إلا من قلب غافل عن الله، أقول سهى: أنس بالله عما سوى الله". لقد تحرر من ألم الجسد، وتحرر من ألم الحزن، بل تحرر من أخطر فخاخ الدنيا: "المنقوش والمنفوش" (أي المال المضروب والجاه والعيال). وهنا يصل الشيخ إلى لب الآية الكريمة، رابطاً هذا المعنى الممتد بحال المنافقين والغافلين الذين قالوا: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾، فهؤلاء هم العبيد الحقيقيون، أسرى المادة وقيود الطين. أما سيدنا محمد ﷺ، فهو الحر الذي لم تشغله أموال ولا أهلون عن ربه. وهذا يؤكد ما أصله العارفون دائماً من أن روح الإنسان بطبيعتها أسيرة حبيسة في سجن جسدها، فإن هي صامت بحق، وتجردت بصدق، وتحررت من كل ما سوى الله، مرت بالمراتب السنية الأربع التي لخصها الشيخ ببراعة: "رقى، فارتقى، فانتقى، فالتقى"؛ رقى بالصيام، فارتقى بالقيام، فانتقاه مولاه، فالتقى بمحبوبه في مقعد صدق. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن الانشغال بفتنة الأموال والأهلين هو قمة العبودية لغير الله، وأن طريق التحرر من هذا الأسر يبدأ بصيام الجوارح والقلب، لترتقي الروح من سجن الجسد إلى رحاب الأنس والمشاهدة.
